الصفحة 652 من 1087

وفى صحيح مسلم، عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذى/ كانوا مع على، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال على: أيها الناس، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج قوم من أمتى يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشىء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشىء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشىء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان محمد نبيهم لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدى، عليه شعرات بيض) . قال: فيذهبون إلى معاوية وأهل الشام، ويتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إنى لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله. قال: فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب رئيسا. فقال لهم: القوا الرماح، وسلّوا سيوفكم من حقوتها، فإنى أناشدكم كما ناشدوكم يوم حروراء. فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وسحرهم الناس برماحهم. قال: وأقبل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. فقال على: التمسوا فيهم المخدج. فالتمسوه فلم يجدوه. فقام على سيفه حتى أتى ناسا قد أقبل بعضهم على بعض. قال: أخروهم. فوجدوه مما يلى الأرض. فكبر، ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله. قال: فقام إليه عبيدة السلمانى. فقال: يا أمير المؤمنين، الله الذى لا إله إلا / هو، أسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إى والله الذى لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثا، وهو يحلف له أيضا.

فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد، وفى مذهب الشافعى ـ أيضا ـ نزاع في كفرهم.

ولهذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى: أحدهما: أنهم بغاة. والثانى: أنهم كفار كالمرتدين، يجوز قتلهم ابتداء، وقتل أسيرهم، واتباع مدبرهم، ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل؛ كما أن مذهبه في مانعى الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها، هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها؟ على روايتين.

وهذا كله مما يبين أن قتال الصديق لمانعى الزكاة، وقتال على للخوارج، ليس مثل القتال يوم الجمل وصفين. فكلام على وغيره في الخوارج يقتضى أنهم ليسوا كفارا كالمرتدين عن أصل الإسلام، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره، وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين، بل هم نوع ثالث. وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم.

/وممن قاتلهم الصحابة ـ مع إقرارهم بالشهادتين والصلاة وغير ذلك ـ مانعى الزكاة، كما في الصحيحين عن أبى هريرة: أن عمر بن الخطاب قال لأبى بكر: يا خليفة رسول الله، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها) . فقال له أبو بكر: ألم يقل لك: (إلا بحقها) . فإن الزكاة من حقها. والله لو منعونى عَنَاقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال، فعلمت أنه الحق.

وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعى الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب، كما أمر الله. وقد حكى عنهم أنهم قالوا: إن الله أمر نبيه بأخذ الزكاة بقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] ، وقد سقطت بموته.

وكذلك أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقتال الذين لا ينتهون عن شرب الخمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت