فهرس الكتاب
وأما الأصل الآخر ـ وهو معرفة أحوالهم ـ فقد علم أن هؤلاء/ القوم جازوا على الشام في المرة الأولى ـ عام تسعة وتسعين ـ وأعطوا الناس الأمان، وقرؤوه على المنبر بدمشق، ومع هذا فقد سبوا من ذرارى المسلمين ما يقال: إنه مائة ألف أو يزيد عليه، وفعلوا ببيت المقدس، وبجبل الصالحية ونابلس وحمص وداريا، وغير ذلك من القتل والسبى ما لا يعلمه إلا الله، حتى يقال: إنهم سبوا من المسلمين قريبا من مائة ألف، وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين في المساجد وغيرها، كالمسجد الأقصى والأموى وغيره، وجعلوا الجامع الذى بالعقيبة دكا.
وقد شاهدنا عسكر القوم، فرأينا جمهورهم لا يصلون، ولم نر في عسكرهم مؤذنا ولا إماما، وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم ما لا يعلمه إلا الله.
ولم يكن معهم في دولتهم إلا من كان من شر الخلق: إما زنديق منافق لا يعتقد دين الإسلام في الباطن، وإما من هو من شر أهل البدع كالرافضة والجهمية والاتحادية ونحوهم، وإما من هو من أفجر الناس وأفسقهم. وهم في بلادهم ـ مع تمكنهم ـ لا يحجون البيت العتيق، وإن كان فيهم من يصلى ويصوم فليس الغالب عليهم إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة.
وهم يقاتلون على ملك جنكسخان. فمن دخل في طاعتهم جعلوه /وليا لهم وإن كان كافرا، ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم وإن كان من خيار المسلمين. ولا يقاتلون على الإسلام، ولا يضعون الجزية والصغار.
بل غاية كثير من المسلمين منهم ـ من أكابر أمرائهم ووزرائهم ـ أن يكون المسلم عندهم كمن يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى، كما قال أكبر مقدميهم الذين قدموا إلى الشام، وهو يخاطب رسل المسلمين ويتقرب إليهم بأنا مسلمون. فقال: هذان آيتان عظيمتان جاءا من عند الله، محمد وجنكسخان. فهذا غاية ما يتقرب به أكبر مقدميهم إلى المسلمين، أن يسوى بين رسول الله وأكرم الخلق عليه وسيد ولد آدم وخاتم المرسلين، وبين ملك كافر مشرك من أعظم المشركين كفرًا وفسادًا وعدوانًا من جنس بختنصر وأمثاله.
وذلك أن اعتقاد هؤلاء التتار كان في جنكسخان عظيما، فإنهم يعتقدون أنه ابن الله من جنس ما يعتقده النصارى في المسيح، ويقولون: إن الشمس حبلت أمه، وأنها كانت في خيمة فنزلت الشمس من كوة الخيمة فدخلت فيها حتى حبلت. ومعلوم عند كل ذى دين أن هذا كذب. وهذا دليل على أنه ولد زنا، وأن أمه زنت فكتمت زناها، وادعت هذا حتى تدفع عنها مَعَرَّة الزنا، وهم مع هذا يجعلونه أعظم رسول عند الله في تعظيم ما سنه لهم وشرعه بظنه وهواه، حتى / يقولوا لما عندهم من المال: هذا رزق جنكسخان، ويشكرونه على أكلهم وشربهم، وهم يستحلون قتل من عادى ما سنه لهم هذا الكافر الملعون المعادى لله ولأنبيائه ورسوله وعباده المؤمنين.
فهذا وأمثاله من مقدميهم كان غايته بعد الإسلام أن يجعل محمدًا صلى الله عليه وسلم بمنزلة هذا الملعون. ومعلوم أن مسيلمة الكذاب كان أقل ضررًا على المسلمين من هذا، وادعى أنه شريك محمد في الرساله، وبهذا استحل الصحابة قتاله وقتال أصحابه المرتدين، فكيف بمن كان فيما يظهره من الإسلام يجعل محمدًا كجنكسخان؟! وإلا فهم مع إظهارهم للإسلام يعظمون أمر جنكسخان على المسلمين المتبعين لشريعة القرآن، ولا يقاتلون أولئك المتبعين لما سنه جنكسخان كما يقاتلون المسلمين بل أعظم.
أولئك الكفار يبذلون له الطاعة والانقياد، ويحملون إليه الأموال، ويقرون له بالنيابة، ولا يخالفون ما يأمرهم به إلا كما يخالف الخارج عن طاعة الإمام للإمام. وهم يحاربون المسلمين ويعادونهم أعظم معاداة، ويطلبون من المسلمين الطاعة لهم وبذل الأموال، والدخول فيما وضعه لهم ذلك الملك الكافر المشرك المشابه لفرعون أو النمروذ ونحوهما، بل هو أعظم فسادا فى