فهرس الكتاب
الأرض منهما. قال الله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] .
وهذا الكافر علا في الأرض؛ يستضعف أهل الملل كلهم من المسلمين واليهود والنصارى ومن خالفه من المشركين بقتل الرجال وسبى الحريم، وبأخذ الأموال، وبهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. ويرد الناس عما كانوا عليه من سنن الأنبياء والمرسلين إلى أن يدخلوا فيما ابتدعه من سنته الجاهلية وشريعته الكفرية.
فهم يدعون دين الإسلام، ويعظمون دين أولئك الكفار على دين المسلمين، ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله وموالاة المؤمنين، والحكم فيما شجر بين أكابرهم بحكم الجاهلية، لا بحكم الله ورسوله.
وكذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم، يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، وأن هذه كلها طرق إلى الله، بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين.
ثم منهم من يرجح دين اليهود أو دين النصارى، ومنهم من يرجح دين المسلمين، وهذا القول فاش غالب فيهم، حتى في فقهائهم وعبادهم لاسيما الجهمية من الاتحادية الفرعونية ونحوهم، فإنه غلبت عليهم الفلسفة. وهذا مذهب كثير من المتفلسفة أو أكثرهم، وعلى /هذا كثير من النصارى أو أكثرهم، وكثير من اليهود أيضا، بل لو قال القائل: إن غالب خواص العلماء منهم والعباد على هذا المذهب لما أبعد. وقد رأيت من ذلك وسمعت ما لا يتسع له هذا الموضع.
ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين: أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كافر. وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 150، 151] ، واليهود والنصارى داخلون في ذلك، وكذلك المتفلسفة يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. ومن تفلسف من اليهود والنصارى يبقى كفره من وجهين.
وهؤلاء أكثر وزرائهم الذين يصدرون عن رأيه غايته أن يكون من هذا الضرب، فإنه كان
يهوديا متفلسفا، ثم انتسب إلى الإسلام مع ما فيه من اليهودية والتفلسف، وضم إلى ذلك الرفض. فهذا هو أعظم من عندهم من ذوى الأقلام، وذاك أعظم من كان عندهم من ذوى السيف. فليعتبر المؤمن بهذا.
وبالجملة، فما من نفاق وزندقة وإلحاد إلا وهى داخلة في اتباع التتار؛/لأنهم من أجهل الخلق وأقلهم معرفة بالدين، وأبعدهم عن اتباعه، وأعظم الخلق اتباعًا للظن وما تهوى الأنفس.
وقد قسموا الناس أربعة أقسام: يال، وباع، وداشمند، وطاط ـ أى: صديقهم وعدوهم والعالم والعامى ـ فمن دخل في طاعتهم الجاهلية وسنتهم الكفرية كان صديقهم. ومن خالفهم كان عدوهم ولو كان من أنبياء الله ورسله وأوليائه. وكل من انتسب إلى علم أو دين سموه [داشمند] كالفقيه والزاهد والقسيس والراهب ودنان اليهود والمنجم والساحر والطبيب والكاتب والحاسب، فيدرجون سادن الأصنام. فيدرجون في هذا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع ما لا يعلمه إلا الله، ويجعلون أهل العلم والإيمان نوعًا واحدًا.
بل يجعلون القرامطة الملاحدة الباطنية الزنادقة المنافقين كالطوسى وأمثاله، هم الحكام على جميع من انتسب إلى علم أو دين من المسلمين واليهود والنصارى. وكذلك وزيرهم السفيه الملقب بالرشيد يحكم على هذه الأصناف ويقدم شرار المسلمين كالرافضة والملاحدة على خيار