فهرس الكتاب
ولو كانوا من بنى هاشم أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبدًا حبشيًا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان شريفًا قرشيًا، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] . وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا فضل لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب) .
وفى الصحيحين عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه: (إن آل أبى فلان ليسوا بأوليائى، إنما وليى الله وصالح المؤمنين) ، فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن موالاته ليست بالقرابة والنسب، بل بالإيمان والتقوى. فإذا كان هذا في قرابة الرسول، فكيف بقرابة جنكسخان الكافر المشرك؟! وقد أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيمانًا وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى، وإن كان الأول أسود حبشيًا، والثانى علويًا أو عباسيًا.
وَسُئِل ـ رَحِمَهُ اللّه وَرَضِىَ عنه: عن أجناد يمتنعون عن قتال التتار، ويقولون: إن فيهم من يخرج مكرهًا معهم، وإذا هرب أحدهم هل يتبع أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، قتال التتار الذين قدموا إلى بلاد الشام واجب بالكتاب والسنة؛ فإن الله يقول في القرآن: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ} [الأنفال: 39] ، والدين هو الطاعة، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله، وجب القتال حتى يكون الدين كله لله؛ ولهذا قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278، 279] ، وهذه الآية نزلت في أهل الطائف لما دخلوا في الإسلام والتزموا الصلاة والصيام؛ لكن امتنعوا من ترك الربا. فبين الله أنهم محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا. والربا هو آخر ما حرمه الله، وهو مال يؤخذ برضا صاحبه. فإذا كان هؤلاء محاربين لله ورسوله يجب جهادهم، فكيف بمن يترك كثيرًا من شرائع الإسلام أو أكثرها كالتتار؟!
/وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها، إذا تكلموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة، أو صيام شهر رمضان، أو حج البيت العتيق، أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة، أو عن تحريم الفواحش، أو الخمر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق، أو الربا، أو الميسر، أو الجهاد للكفار، أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب، ونحو ذلك من شرائع الإسلام، فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله.
وقد ثبت في الصحيحين أن عمر لما ناظر أبا بكر في مانعى الزكاة قال له أبو بكر: كيف لا أقاتل من ترك الحقوق التى أوجبها الله ورسوله وإن كان قد أسلم، كالزكاة؟! وقال له: فإن الزكاة من حقها، والله لو منعونى عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق.
وقد ثبت في الصحيح من غير وجه أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج وقال فيهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم /فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) .