الصفحة 662 من 1087

وقد اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء، وأول من قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ وما زال المسلمون يقاتلون في صدر خلافة بنى أمية وبنى العباس مع الأمراء وإن كانوا ظلمة، وكان الحجاج ونوابه ممن يقاتلونهم. فكل أئمة المسلمين يأمرون بقتالهم.

والتتار وأشباههم أعظم خروجًا عن شريعة الإسلام من مانعى الزكاة والخوارج من أهل الطائف، الذين امتنعوا عن ترك الربا. فمن شك في قتالهم فهو أجهل الناس بدين الإسلام، وحيث وجب قتالهم قوتلوا، وإن كان فيهم المكره باتفاق المسلمين. كما قال العباس ـ لما أسر يوم بدر ـ: يا رسول الله، إنى خرجت مكرهًا. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله) .

وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تَتَرَّسُوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون؛ وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم. وإن /لم يخف على المسلمين ففى جواز القتال المفضى إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء. وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قُتِلَ من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدًا. وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغزو هذا البيت جيش من الناس، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم) . فقيل: يا رسول الله، وفيهم المكره؟ فقال: (يبعثون على نياتهم) . فإذا كان العذاب الذى ينزله الله بالجيش الذى يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير المكره، فكيف بالعذاب الذى يعذبهم الله به أو بأيدى المؤمنين، كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52] .

ونحن لا نعلم المكره، ولا نقدر على التمييز. فإذا قتلناهم بأمر الله كنا في ذلك مأجورين ومعذورين، وكانوا هم على نياتهم، فمن كان مكرهًا لا يستطيع الامتناع فإنه يحشر على نيته يوم القيامة، فإذا قتل لأجل قيام الدين لم يكن ذلك بأعظم من قتل من يقتل من عسكر المسلمين. وأما إذا هرب أحدهم فإن من الناس من يجعل قتالهم بمنزلة قتال البغاة المتأولين.

/وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة، فهل يجوز اتباع مدبرهم، وقتل أسيرهم، والإجهاز على جريحهم؟ على قولين للعلماء مشهورين. فقيل: لا يفعل ذلك؛ لأن منادى على بن أبى طالب نادى يوم الجمل: لا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل أسير. وقيل: بل يفعل ذلك؛ لأنه يوم الجمل لم يكن لهم طائفة ممتنعة. وكان المقصود من القتال دفعهم، فلما اندفعوا لم يكن إلى ذلك حاجة، بمنزلة دفع الصائل. وقد روى: أنه يوم الجمل وصفين كان أمرهم بخلاف ذلك. فمن جعلهم بمنزلة البغاة المتأولين، جعل فيهم هذين القولين. والصواب أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين؛ فإن هؤلاء ليس لهم تأويل سائغ أصلا، وإنما هم من جنس الخوارج المارقين ومانعى الزكاة وأهل الطائف. والخرمية ونحوهم ممن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام.

وهذا موضع اشتبه على كثير من الناس من الفقهاء؛ فإن المصنفين فى [قتال أهل البغى] جعلوا قتال مانعى الزكاة، وقتال الخوارج، وقتال على لأهل البصرة، وقتاله لمعاوية وأتباعه من قتال أهل البغى، وذلك كله مأمور به، وفرعوا مسائل ذلك تفريع من يرى ذلك بين الناس، وقد غلطوا، بل الصواب ما عليه أئمة الحديث والسنة وأهل المدينة النبوية، كالأوزاعى، والثورى، ومالك، وأحمد بن حنبل، /وغيرهم، أنهم يفرق بين هذا وهذا. فقتال على للخوارج ثابت بالنصوص الصريحة عن النبى صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين، وأما القتال [يوم صفين] ونحوه فلم يتفق عليه الصحابة، بل صد عنه أكابر الصحابة، مثل سعد بن أبى وقاص، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت