فهرس الكتاب
زيد، وعبد الله بن عمر، وغيرهم. ولم يكن بعد على بن أبى طالب في العسكرين مثل سعد بن أبى وقاص.
والأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم تقتضى أنه كان يجب الإصلاح بين تينك الطائفتين، لا الاقتتال بينهما، كما ثبت عنه في صحيح البخارى أنه خطب الناس والجيش معه، فقال: (إن ابنى هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين) ، فأصلح الله بالحسن بين أهل العراق وأهل الشام، فجعل النبى صلى الله عليه وسلم الإصلاح به من فضائل الحسن، مع أن الحسن نزل عن الأمر وسلم الأمر إلى معاوية. فلو كان القتال هو المأمور به دون ترك الخلافة ومصالحة معاوية لم يمدحه النبى صلى الله عليه وسلم على ترك ما أمر به وفعل ما لم يؤمر به، ولا مدحه على ترك الأولى وفعل الأدنى. فعلم أن الذى فعله الحسن هو الذى كان يحبه الله ورسوله، لا القتال. وقد ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يضعه وأسامة على فخذيه. ويقول: (اللهم إنى أحبهما، فأحبهما، وأحب /من يحبهما) . وقد ظهر أثر محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بكراهتهما القتال في الفتنة؛ فإن أسامة امتنع عن القتال مع واحدة من الطائفتين، وكذلك الحسن كان دائمًا يشير على علىٍّ بأنه لا يقاتل، لما صار الأمر إليه فعل ما كان يشير به على أبيه ـ رضى الله عنهم أجمعين.
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) ، فهذه المارقة هم الخوارج، وقاتلهم على بن أبى طالب. وهذا يصدقه بقية الأحاديث التى فيها الأمر بقتال الخوارج وتبين أن قتلهم مما يحبه الله ورسوله، وأن الذين قاتلوهم مع على أولى بالحق من معاوية وأصحابه، مع كونهم أولى بالحق. فلم يأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالقتال لواحدة من الطائفتين، كما أمر بقتال الخوارج، بل مدح الإصلاح بينهما. وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم من كراهة القتال في الفتن والتحذير منها من الأحاديث الصحيحة ما ليس هذا موضعه، كقوله: (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشى، والماشى خير من الساعى) ، وقال: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) .
/فالفتن مثل الحروب التى تكون بين ملوك المسلمين، وطوائف المسلمين، مع أن كل واحدة من الطائفتين ملتزمة لشرائع الإسلام. مثل ما كان أهل الجمل وصفين؛ وإنما اقتتلوا لشبه وأمور عرضت، وأما قتال الخوارج ومانعى الزكاة وأهل الطائف الذين لم يكونوا يحرمون الربا، فهؤلاء يقاتلون حتى يدخلوا في الشرائع الثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة، فلا ريب أنه يجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم؛ فإن هؤلاء إذا كانوا مقيمين ببلادهم على ما هم عليه، فإنه يجب على المسلمين أن يقصدوهم في بلادهم لقتالهم، حتى يكون الدين كله لله. فإن هؤلاء التتار لا يقاتلون على دين الإسلام، بل يقاتلون الناس حتى يدخلوا في طاعتهم، فمن دخل في طاعتهم كفوا عنه وإن كان مشركًا أو نصرانيًا أو يهوديًا، ومن لم يدخل كان عدوًا لهم وإن كان من الأنبياء والصالحين. وقد أمر الله المسلمين أن يقاتلوا أعداءه الكفار، ويوالوا عباده المؤمنين. فيجب على المسلمين من جند الشام ومصر واليمن والمغرب جميعهم، أن يكونوا متعاونين على قتال الكفار، وليس لبعضهم أن يقاتل بعضًا بمجرد الرياسة والأهواء. فهؤلاء التتار أقل ما يجب عليهم أن يقاتلوا من يليهم من الكفار، وأن يكفوا عن قتال من يليهم من المسلمين، ويتعاونون هم وهم على /قتال الكفار.
وأيضًا، لا يقاتل معهم غير مكره إلا فاسق، أو مبتدع، أو زنديق، كالملاحدة القرامطة الباطنية، وكالرافضة السبابة، وكالجهمية المعطلة من النفاة الحلولية، ومعهم ممن يقلدونه من المنتسبين