الصفحة 666 من 1087

فهكذا الواجب في مثل هؤلاء إذا أظهروا الطاعة يرسل إليهم من يعلمهم شرائع الإسلام، ويقيم بهم الصلوات، وما ينتفعون به من شرائع الإسلام. وإما أن يستخدم بعض المطيعين منهم في جند المسلمين، ويجعلهم في جماعة المسلمين. وإما بأن ينزع منهم السلاح الذى يقاتلون به، ويمنعون من ركوب الخيل. وإما أنهم يضعوه حتى يستقيموا، وإما أن يقتل الممتنع منهم من التزام الشريعة. وإن لم يستجيبوا لله ولرسوله وجب قتالهم حتى يلتزموا شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، وهذا متفق عليه بين علماء المسلمين. والله أعلم.

وَسُئِلَ شيخ الإسلام ـ رَحِمَهُ اللّه ـ فيم استقر إطلاقه من الملوك المتقدمين، وإلى الآن؛ من وجوه البر والقربات، على سيبل المرتب للمرتزقين من الفقراء والمساكين على اختلاف أحوالهم. فمنهم الفقير الذى لا مال له. ومنهم من له عائلة كثيرة يلزمه نفقتهم وكسبه لا يقوم بكلفتهم. ومنهم المنقطع إلى الله ـ تعالى ـ الذى ليس له سبب يتسبب به لا يحسن صنعة يصنعها. ومنهم العاجز عن /الحركة لكبر أو ضعف. ومنهم الصغير دون البالغ، والنساء الأرامل، وذو العاهات. ومنهم المشتغلون بالعلم الشريف وقراءة القرآن، ومن للمسلمين بهم نفع عام، وله في بيت المال نصيب. ومنهم أرباب الزوايا والربط المتجردون للعبادة، وتلقى الواردين من الفقهاء، وأهل العلم، وغيرهم من أبناء السبيل. ومنهم أيتام المستشهدين في سبيل الله ـ تعالى ـ من أولاد الجند وغيرهم ممن لم يخلف له ما يكفيه، وممن يسأل إحياء الموات فأحياها، أو استصلح أحراسًا عالية لتكون له مستمرة بعد إصلاحها، فاستخرجها في مدة سنين عديدة، واستقرت عليه على جارى العوائد في مثل ذلك.

فهل تكون هذه الأنساب التى اتصفوا بها مسوغة لهم تناول ما نالوه من ذلك، وأطلقه لهم ملوك الإسلام ونوابهم على وجه المصلحة، واستقر بأيديهم إلى الآن أم لا؟

وما حكم من ينزلهم بعدم الاستحقاق مع وجود هذه الصفات، وتقرب إلى السلطان بالسعى بقطع أرزاقهم، المؤدى إلى تعطيل الزوايا، ومعظم الزوايا والربط التى يرتفق بها أبناء السبيل وغيرهم من المجردين، ويقوم بها شعار الإسلام. هل يكون بذلك آثمًا عاصيًا أم لا؟ وهل يجب أن يكلف هؤلاء إثبات استحقاقهم مع كون ذلك مستقرًا بأيديهم من قبل أولى الأمر؟ ولو كلفوا ذلك، فهل يتعين عليهم إثباته عند حاكم بعينه،/ غريب من بلادهم، متظاهر بمنافرتهم، مع وجود عدة من الحكام غيره في بلادهم أو لا؟ وما حكم من عجز منهم عن الإثبات لضعفه عن إقامة البينة الشرعية؟ لما غلب عليه الحال من أن شهود هذا الزمان لا يؤدون شهادة إلا بأجرة ترضيهم، وقد يعجز الفقير عن مثلها، وكذلك النسوة اللاتى لا يعلم الشهود أحوالهن غالبًا.

وإذا سأل الإمام حاكمًا عن استحقاق من ذكر. فأجاب بأنه لايستحق من هؤلاء المذكورين ومن يجرى مجراهم إلا الأعمى والمكسح والزمن لا غير، وأضرب عما سواهم من غير اطلاع على حقيقة أحوالهم. هل يكون بذلك آثمًا عاصيًا أم لا؟ وما الذى يجب عليه في ذلك؟ وإذا سأله الإمام عن الزوايا والربط. هل يستحق من هو بها ما هو مرتب لهم؟ فأجاب بأن هذه الزوايا والربط دكاكين، ولاشك أن فيهم الصلحاء. والعلماء، وحملة الكتاب العزيز، والمنقطعين إلى الله ـ تعالى ـ هل يكون مؤذيًا لهم بذلك أم لا؟

وماحكم هذا القول المطلق فيهم ـ مع عدم المعرفة بجميعهم، والاطلاع على حقيقة أحوالهم بالكلية، إذا تبين سقوطه وبطلانه ـ هل تسقط بذلك روايته، وما عداها من أخباره أم لا؟ وهل للمقذوفين الدعوى عليه بهذا الطعن عليهم المؤدى عند الملوك إلى قطع أرزاقهم، وأن يكلفوه إثبات ذلك. وإذا عجز عن إثباته فهل لهم مطالبته /بمقتضاه أم لا؟ وإذا عجز عن ثبوت ذلك هل يكون قادحًا في عدالته، وجرحه. ينعزل بها عن المناصب الدينية أم لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت