فهرس الكتاب
ومن كانت هذه صفته لهذه الطائفة، وهم له في غاية الكراهة، هل يجوز أن يؤم بهم، وقد جاء: (لا يؤم الرجل قومًا أكثرهم له كارهون؟) .
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، هذه المسائل تحتاج إلى تقرير أصل جامع في أموال بيت المال، مبنى على الكتاب والسنة التى سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، كما قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده أشياء. الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، وقوة على طاعة الله، ليس لأحد تغييرها، ولا النظر في رأى من خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة) .
والواجب على ولاة الأمور وغيرهم من المسلمين العمل من ذلك/ بما عليهم، كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه) .
ونحن نذكر ذلك مختصرًا فنقول:
الأموال التى لها أصل في كتاب الله التى يتولى قسمها ولاة الأمر ثلاثة:
مال المغانم: وهذا لمن شهد الوقعة، إلا الخمس فإن مصرفه ما ذكره الله في قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ} [الأنفال: 41] ، و [المغانم] ما أُخذ من الكفار بالقتال. فهذه المغانم وخمسها.
والثانى: الفىء: وهو الذى ذكره الله ـ تعالى ـ في سورة الحشر، حيث قال: {وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [الحشر: 6] ، ومعنى قوله: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ} : أى: ما حركتم، ولا أعملتم، ولا سقتم. يقال: وجف البعير، يجف، وجوفًا، وأوجفته: إذا سار نوعًا من السير. فهذا هو الفىء الذى أفاءه الله على رسوله، وهو ما صار للمسلمين بغير إيجاف خيل ولا ركاب، وذلك عبارة عن /القتال، أى: ما قاتلتم عليه. فما قاتلوا عليه كان للمقاتلة، وما لم يقاتلوا عليه فهو فىء؛ لأن الله أفاءه على المسلمين، فإنه خلق الخلق لعبادته، وأحل لهم الطيبات، ليأكلوا طيبًا، ويعملوا صالحًا. والكفار عبدوا غيره، فصاروا غير مستحقين للمال. فأباح للمؤمنين أن يعبدوه، وأن يسترقوا أنفسهم، وأن يسترجعوا الأموال منهم. فإذا أعادها الله إلى المؤمنين منهم فقد فاءت، أى: رجعت إلى مستحقيها.
وهذا الفىء يدخل فيه جزية الرؤوس التى تؤخذ من أهل الذمة، ويدخل فيه ما يؤخذ منهم من العشور، وأنصاف العشور، وما يصالح عليه الكفار من المال، كالذى يحملونه، وغير ذلك. ويدخل فيه ما جلوا عنه وتركوه خوفًا من المسلمين، كأموال بنى النضير، التى أنزل الله فيها سورة الحشر وقال: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} [الحشر: 2، 3] . وهؤلاء أجلاهم النبى صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسكنون شرقى المدينة النبوية، فأجلاهم بعد أن حاصرهم، وكانت أموالهم مما أفاء الله على رسوله.