فهرس الكتاب
/وذكر مصارف الفىء بقوله: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 7 ـ 10] ، فهؤلاء المهاجرون والأنصار ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة؛ ولهذا قال مالك وأبو عبيد وأبو حكيم النهروانى ـ من أصحاب أحمد ـ وغيرهم: إن من سب الصحابة لم يكن له في الفىء نصيب. ومن الفىء ما ضربه عمر ـ رضى الله عنه ـ على الأرض التى فتحها عنوة ولم يقسمها؛ كأرض مصر، وأرض العراق ـ إلا شيئًا يسيرًا منها ـ وبر الشام، وغير ذلك. فهذا الفىء لا خمس فيه عند جماهير الأئمة؛ كأبى حنيفة، ومالك، وأحمد. وإنما يرى تخميسه الشافعى وبعض /أصحاب أحمد، وذكر ذلك رواية عنه، قال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد قبل الشافعى أن في الفىء خمسًا كخمس الغنيمة.
وهذا الفىء لم يكن ملكًا للنبى صلى الله عليه وسلم في حياته عند أكثر العلماء. وقال الشافعى وبعض أصحاب أحمد: كان ملكًا له.
وأما مصرفه بعد موته، فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين، الذين يقاتلون الكفار؛ فإن تقويتهم تذل الكفار، فيؤخذ منهم الفىء. وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين، أم تختص به المقاتلة؟ على قولين للشافعى، ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك: أنه لا يختص به المقاتلة، بل يصرف في المصالح كلها.
وعلى القولين، يعطى من فيه منفعة عامة لأهل الفىء؛ فإن الشافعى قال: ينبغى للإمام أن يخص من في البلدان من المقاتلة، وهو من بلغ، ويحصى الذرية، وهى من دون ذلك، والنساء، إلى أن قال: ثم يعطى المقاتلة في كل عام عطاءهم، ويعطى الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم. قال: والعطاء من الفىء لا يكون إلا لبالغ يطيق القتال. قال: ولم يختلف أحد ممن لقيه في أنه ليس للمماليك في العطاء حق، ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة. قال: فإن فضل من الفىء شىء وضعه الإمام في أهل الحصون، والازدياد في الكُرَاع والسلاح، وكل ما /يقوى به المسلمون. فإن استغنوا عنه وحصلت كل مصلحة لهم فرق ما يبقى عنهم بينهم على قدر ما يستحقون من ذلك المال. قال: ويعطى من الفىء رزق العمال، والولاة، وكل من قام بأمر الفىء؛ من وال وحاكم، وكاتب وجندى ممن لا غنى لأهل الفىء عنه.
وهذا مشكل مع قوله: إنه لا يعطى من الفىء صبى ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال؛ لأنه للمجاهدين.
وهذا إذا كان للمصالح، فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة، كالمجاهدين، وكولاة أمورهم؛ من ولاة الحرب، وولاة الديوان، وولاة الحكم، ومن يقرئهم القرآن، ويفتيهم، ويحدثهم، ويؤمهم في صلاتهم، ويؤذن لهم. ويصرف منه في سداد ثغورهم وعمارة طرقاتهم وحصونهم، ويصرف منه إلى ذوى الحاجات منهم ـ أيضًا ـ ويبدأ فيه بالأهم فالأهم؛ فيقدم ذوو المنافع الذين يحتاج المسلمون إليهم على ذوى الحاجات الذين لا منفعة فيهم. هكذا نص عليه عامة الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم.