الصفحة 670 من 1087

فهو أولى من غيره. ويعطى قضاة المسلمين وعلماؤهم منه ما يكفيهم، ويدفع منه أرزاق المقاتلة وذراريهم؛ لاسيما من بنى هاشم الطالبيين، والعباسيين، وغيرهم؛ فإن هؤلاء يتعين إعطاؤهم من الخمس والفىء والمصالح؛ لكون الزكاة محرمة عليهم.

والفقير الشرعى المذكور في الكتاب والسنة الذى يستحق من الزكاة والمصالح ونحوهما

ليس هو الفقير الاصطلاحى الذى يتقيد بلبسة / معينة، وطريقة معينة، بل كل من ليس له كفاية تكفيه وتكفى عياله فهو من الفقراء والمساكين.

وقد تنازع العلماء: هل الفقير أشد حاجة، أو المسكين؟ أو الفقير من يتعفف، والمسكين من يسأل؟ على ثلاثة أقوال لهم. واتفقوا على أن من لا مال له وهو عاجز عن الكسب فإنه يعطى ما يكفيه، سواء كان لبسه لبس الفقير الاصطلاحى، أو لباس الجند والمقاتلة، أو لبس الشهود، أو لبس التجار، أو الصناع، أو الفلاحين. فالصدقة لا يختص بها صنف من هذه الأصناف، بل كل من ليس له كفاية تامة من هؤلاء؛ مثل الصانع والذى لا تقوم صنعته بكفايته، والتاجر الذى لا تقوم تجارته بكفايته، والجندى الذى لا يقوم إقطاعه بكفايته، والفقير والصوفى الذى لا يقوم معلومه من الوقف بكفايته، والشاهد والفقيه الذى لا يقوم ما يحصل له بكفايته، وكذلك من كان في رباط أو زاوية وهو عاجز عن كفايته ـ فكل هؤلاء مستحقون.

ومن كان من هؤلاء كلهم مؤمنًا تقيًا كان لله وليًا؛ فإن أولياء الله الذين: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62، 63] من أى صنف كانوا من أصناف القبلة. ومن كان من هؤلاء منافقًا، أو مظهرًا لبدعة تخالف الكتاب والسنة من بدع الاعتقادات والعبادات؛ فإنه مستحق للعقوبة. ومن عقوبته أن يحرم حتى يتوب. / وأما من كان زنديقا كالحلولية والمباحية، ومن يفضل متبوعه على النبى صلى الله عليه وسلم، ومن يعتقد أنه لا يجب عليه في الباطن اتباع شريعة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، أو أنه إذا حصلت له المعرفة والتحقيق سقط عنه الأمر والنهى، أو أن العارف المحقق يجوز له التدين بدين اليهود والنصارى، ولا يجب عليه الاعتصام بالكتاب والسنة، وأمثال هؤلاء؛ فإن هؤلاء منافقون زنادقة، وإذا ظهر على أحدهم فإنه يجب قتله باتفاق المسلمين، وهم كثيرون في هذه الأزمنة.

وعلى ولاة الأمور مع إعطاء الفقراء، بل والأغنياء، بأن يلزموا هؤلاء باتباع الكتاب والسنة، وطاعة اللّه ورسوله، ولا يمكنوا أحدًا من الخروج من ذلك، ولو ادعى من الدعاوى ما ادعاه، ولو زعم أنه يطير في الهواء، أو يمشى على الماء.

ومن كان من الفقراء الذين لم تشغلهم منفعة عامة للمسلمين عن الكسب، قادرا عليه، لم يجز أن يعطى من الزكاة عند الشافعى وأحمد. وجوز ذلك أبو حنيفة. وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى مكتسب) ، ولايجوز أن يعطى من الزكاة من يصنع بها دعوة وضيافة للفقراء، ولا يقيم بها سماطا، لا لوارد، ولا غير وارد، بل يجب أن يعطى ملكا للفقير المحتاج، بحيث ينفقها على نفسه وعياله في بيته إن شاء، ويقضى منها ديونه، ويصرفها / في حاجاته.

وليس في المسلمين من ينكر صرف الصدقات وفاضل أموال المصالح إلى الفقراء والمساكين. ومن نقل عنه ذلك فإما أن يكون من أجهل الناس بالعلم، وإما أن يكون من أعظم الناس كفرا بالدين، بل بسائر الملل والشرائع، أو يكون النقل عنه كذبا أو محرفا. فأما من هو متوسط في علم ودين فلا يخفى عليه ذلك ولا ينهى عن ذلك.

ولكن قد اختلط في هذه الأموال المرتبة السلطانية الحق والباطل. فأقوام كثيرون من ذوى الحاجات والدين والعلم لا يعطى أحدهم كفايته، ويتمزق جوعا وهو لا يسأل، ومن يعرفه فليس عنده ما يعطيه. وأقوام كثيرون يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل اللّه. وقوم لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت