الصفحة 671 من 1087

رواتب أضعاف حاجاتهم. وقوم لهم رواتب مع غناهم وعدم حاجاتهم. وقوم ينالون جهات كمساجد وغيرها، فيأخذون معلومها ويستثنون من يعطون شيئا يسيرا. وأقوام في الربط والزوايا يأخذون ما لا يستحقون، ويأخذون فوق حقهم، ويمنعون من هو أحق منهم حقه أو تمام حقه. وهذا موجود في مواضع كثيرة.

ولا يستريب مسلم أن السعى في تمييز المستحق من غيره، وإعطاء الولايات والأرزاق من هو أحق بها، والعدل بين الناس في ذلك، /وفعله بحسب الإمكان ـ هو من أفضل أعمال ولاة الأمور، بل ومن أوجبها عليهم؛ فإن اللّه يأمر بالعدل والإحسان، والعدل واجب على كل أحد في كل شىء. وكما أن النظر في الجند المقاتلة، والتعديل بينهم، وزيادة من يستحق الزيادة، ونقصان من يستحق النقصان، وإعطاء العاجز عن الجهاد من جهة أخرى، هو من أحسن أفعال ولاة الأمور وأوجبها، فكذلك النظر في حال سائر المرتزقين من أموال الفىء، والصدقات، والمصالح، والوقوف، والعدل بينهم في ذلك، وإعطاء المستحق تمام كفايته، ومنع من دخل في المستحقين وليس منهم من أن يزاحمهم في أرزاقهم.

وإذا ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى، وطلب الأخذ من الصدقات، فإنه يجوز للإمام أن يعطيه بلا بينة، بعد أن يعلمه أنه لا حظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم سأله رجلان من الصدقة، فلما رآهما جلدين صَعَّد فيهما النظر وصَوَّبه. فقال: (إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب) .

وأما إن ذكر أن له عيالا، فهل يفتقر إلى بينة؟ فيه قولان للعلماء مشهوران، هما قولان في مذهب الشافعى وأحمد. وإذا رأى الإمام قول من يقول فيه: يفتقر إلى بينة. فلا نزاع بين العلماء أنه لا يجب أن تكون البينة من الشهود المعدلين، بل يجب أنهم لم يرتزقوا /على أداء الشهادة، فترد شهادتهم إذا أخذوا عليها رزقا، لا سيما مع العلم بكثرة من يشهد بالزور؛ ولهذا كانت العادة أن الشهود في الشام المرتزقة بالشهادة لا يشهدون في الاجتهاديات، كالأعشار، والرشد، والعدالة، والأهلية، والاستحقاق، ونحو ذلك، بل يشهدون بالحسيات كالذى سمعوه ورأوه، فإن الشهادة بالاجتهاديات يدخلها التأويل والتهم، فالجُعْل يسهل الشهادة فيها بغير تحر، بخلاف الحسيات؛ فإن الزيادة فيها كذب صريح، لا يقدم عليه إلا من يقدم على صريح الزور. وهؤلاء أقل من غيرهم، بل إذا أتى الواحد من هؤلاء بمن يعرف صدقه من جيرانه ومعارفه وأهل الخبرة الباطنة به قبل ذلك منهم.

وإطلاق القول بأن جميع من بالربط والزوايا غير مستحقين باطل، ظاهر البطلان. كما أن إطلاق القول بأن كل من فيهم مستحق لما يأخذه هو باطل أيضا، فلا هذا، ولا هذا، بل فيهم المستحق الذى يأخذ حقه، وفيهم من يأخذ فوق حقه، وفيهم من لا يعطى إلا دون حقه، وفيهم غير المستحق. حتى إنهم في الطعام الذى يشتركون فيه يعطى أحدهم أفضل مما يعطى الآخر، وإن كان أغنى منه، خلاف ما جرت عادة أهل العدل الذين يسوون في الطعام بالعدل، كما يعمل في رباطات أهل العدل. وأمر ولى الأمر هؤلاء بجميع ما ذكر هو من أفضل العبادات، وأعظم الواجبات.

/وما ذكر عن بعض الحكام، من أنه لا يستحق من هؤلاء إلا الأعمى، والمكسح، والزمن ـ قول لم يقله أحد من المسلمين، ولا يتصور أن يقول هذا حاكم ممن جرت العادة بأن يتولى الحكم، اللهم إلا أن يكون من أجهل الناس، أو أفجرهم. فمعلوم أن ذلك يقدح في عدالته، وأنه يجب أن يستدل به على جرحه، كما أنه إن كان الناقل لهذا عن حاكم قد كذب عليه، فينبغى أن يعاقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله من المفترين على الناس. وعقوبة الإمام للكذاب المفترى على الناس،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت