فهرس الكتاب
والمتكلم فيهم، وفى استحقاقهم، لما يخالف دين الإسلام، لا يحتاج إلى دعواهم، بل العقوبة في ذلك جائزة بدون دعوى أحد كعقوبته لمن يتكلم في الدين بلا علم، فيحدث بلا علم، ويفتى بلا علم، وأمثال هؤلاء يعاقبون. فعقوبة كل هؤلاء جائزة بدون دعوى. فإن الكذب على الناس، والتكلم في الدين، وفى الناس بغير حق، كثير في كثير من الناس.
فمن قال: إنه لا يستحق إلا الأعمى، والزمن، والمكسح ـ فقد أخطأ باتقاق المسلمين. وكذلك من قال: إن أموال بيت المال على اختلاف أصنافها مستحقة لأصناف، منهم الفقراء، وأنه يجب على الإمام إطلاق كفايتهم من بيت المال ـ فقد أخطأ، بل يستحقون من الزكوات بلا ريب. وأما من الفىء والمصالح فلا يستحقون إلا ما فضل عن /المصالح العامة. ولو قدر أنه لم يصلح لهم من الزكوات ما يكفيهم، وأموال بيت المال مستغرقة بالمصالح العامة، كان إعطاء العاجز منهم عن الكسب فرضًا على الكفاية. فعلى المسلمين جميعا أن يطعموا الجائع، ويكسوا العارى، ولا يدعوا بينهم محتاجًا. وعلى الإمام أن يصرف ذلك من المال المشترك الفاضل عن المصالح العامة التى لابد منها.
وأما من يأخذ بمصلحة عامة، فإنه يأخذ من حاجته باتفاق المسلمين. وهل له أن يأخذ مع الغنى ـ كالقاضى، والشاهد، والمفتى، والحاسب، والمقرى، والمحدث إذا كان غنيًا؟ فهل له أن يرتزق على ذلك من بيت المال مع غناه؟ ـ قولان مشهوران للعلماء.
وكذلك قول القائل: إن عناية الإمام بأهل الحاجات تجب أن تكون فوق عنايته بأهل المصالح العامة التى لابد للناس منها في دينهم ودنياهم، كالجهاد، والولاية، والعلم ـ ليس بمستقيم لوجوه:
أحدها: أن العلماء قد نصوا على أنه يجب في مال الفىء والمصالح أن يقدم أهل المنفعة العامة. وأما مال الصدقات فيأخذه نوعان: نوع يأخذ بحاجته، كالفقراء، والمساكين، والغارمين لمصلحة أنفسهم، وابن السبيل، وقوم يأخذون لمنفعتهم، كالعاملين، والغارمين في إصلاح ذات البين، كمن فيه نفع عام، كالمقاتلة، وولاة أمورهم، وفى سبيل /اللّه. وليس أحد الصنفين أحق من الآخر، بل لابد من هذا وهذا.
الثانى: أن ما يذكره كثير من القائمين بالمصالح من الجهاد والولايات والعلم من فساد النية معارض بما يوجد في كثير من ذوى الحاجات من الفسق والزندقة. وكما أن من ذوى الحاجات صالحين أولياء للّه، ففى المجاهدين والعلماء أولياء للّه، وأولياء اللّه هم المؤمنون المتقون، من أى صنف كانوا. ومن كان من أولياء اللّه من أهل الجهاد والعلم، كان أفضل من لم يكن من هؤلاء. فإن سادات أولياء اللّه من المهاجرين والأنصار كانوا كذلك.
وقول القائل: اليوم في زماننا كثير من المجاهدين والعلماء إنما يتخذون الجهاد والقتال والاشتغال بالعلم معيشة دنيوية، يحامون بها عن الجاه والمال، وأنهم عصاة بقتالهم واشتغالهم، مع انضمام معاص ومصائب أخرى لا يتسع الحال لها. والمجاهد لتكون كلمة اللّه هى العليا، والمعلم ليكون التعلم محض التقرب، قليل الوجود أو مفقود. فلا ريب أن الإخلاص واتباع السنة فيمن لا يأكل أموال الناس أكثر ممن يأكل الأموال بذلك؛ بل والزندقة، نعارضه بما هو أصدق منه، وهو أن يقال: كثير من أهل الربط والزوايا والمتظاهرين للناس بالفقر إنما يتخذون ذلك معيشة دنيوية، هذا مع انضمام كفر وفسوق ومصائب لا يتسع الحال لقولها، بمثل دعوى الحلول والاتحاد في /العباد أكثر منها في أهل العلم والجهاد. وكذلك التقرب إلى اللّه بالعبادات البدعية.
ومعلوم أنه في كل طائفة بار وفاجر، وصديق وزنديق. والواجب موالاة أولياء اللّه المتقين من جميع الأصناف، وبغض الكفار والمنافقين من جميع الأصناف، والفاسق المِلِّىّ يعطى من الموالاة