الصفحة 673 من 1087

بقدر إيمانه، ويعطى من المعاداة بقدر فسقه؛ فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن الفاسق الملى له الثواب والعقاب، إذا لم يعف اللّه عنه. وأنه لابد أن يدخل النار من الفساق من شاء اللّه، وإن كان لا يخلد في النار أحد من أهل الإيمان، بل يخلد فيها المنافقون، كما يخلد فيها المتظاهرون بالكفر.

الوجه الثالث: أن يقال: غالب الذين يأخذون لمنفعة المسلمين من الجند وأهل العلم ونحوهم محاويج أيضًا، بل غالبهم ليس له رزق إلا العطاء. ومن يأخذ للمنفعة والحاجة أولى ممن يأخذ بمجرد الحاجة.

الوجه الرابع: أن يقال: العطاء إذا كان لمنفعة المسلمين لم ينظر إلى الآخذ هل هو صالح النية أو فاسدها. ولو أن الإمام أعطى ذوى الحاجات العاجزين عن القتال، وترك إعطاء المقاتلة حتى يصلحوا نياتهم لأهل الإسلام، لاستولى الكفار على بلاد الإسلام؛ فإن تعليق العطايا /فى القلوب متعذر. وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (إن اللّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم) ، وقال: (إنى لأعطى رجالًا وأدع رجالا، والذين أدع أحب إلىَّ من الذين أعطى. أعطى رجالًا لما في قلوبهم من الهَلَع والجَزَع، وأكِلُ رجالا لما في قلوبهم من الغنى والخير) ، وقال: (إنى لأعطى أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارًا) . قالوا: يارسول اللّه، فلم تعطيهم؟ قال: (يأبون إلا أن يسألونى ويأبى اللّه لى البخل) .

ولما كان عام حنين قسم غنائم حنين بين المؤلفة قلوبهم من أهل نجد والطلقاء من قريش، كعيينة بن حصن، والعباس بن مرداس، والأقرع بن حابس، وأمثالهم. وبين سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبى جهل، وأبى سفيان بن حرب وابنه معاوية، وأمثالهم من الطلقاء الذين أطلقهم عام الفتح، ولم يعط المهاجرين والأنصار شيئًا. أعطاهم ليتألف بذلك قلوبهم على الإسلام، وتأليفهم عليه مصلحة عامة للمسلمين. والذين لم يعطهم هم أفضل عنده، وهم سادات أولياء اللّه المتقين، وأفضل عباد اللّه الصالحين بعد النبيين والمرسلين، والذين أعطاهم منهم من ارتد عن الإسلام قبل موته، وعامتهم أغنياء لا فقراء. فلو كان العطاء للحاجة مقدما على العطاء للمصلحة العامة لم يعط النبى صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأغنياء السادة المطاعين في عشائرهم، ويدع عطاء من عنده من /المهاجرين والأنصار الذين هم أحوج منهم وأفضل.

وبمثل هذا طعن الخوارج على النبى صلى الله عليه وسلم. وقال له أولهم: يا محمد، اعدل فإنك لم تعدل، وقال: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه اللّه ـ تعالى ـ حتى قال النبى صلى الله عليه وسلم: (ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! لقد خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل) . فقال له بعض الصحابة: دعنى أضرب عنق هذا. فقال: (إنه يخرج من ضِئضِئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند اللّه لمن قتلهم يوم القيمة) ، وفى رواية: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) .

وهؤلاء خرجوا على عهد أمير المؤمنين على بن أبى طالب ـ رضى اللّه عنه ـ فقتل الذين قاتلوه جميعهم، مع كثرة صومهم وصلاتهم وقراءتهم. فأخرجوا عن السنة والجماعة. وهم قوم لهم عبادة، وورع، وزهد، لكن بغير علم. فاقتضى ذلك عندهم أن العطاء لا يكون إلا لذوى الحاجات، وأن إعطاء السادة المطاعين الأغنياء لا يصلح لغير اللّه بزعمهم. وهذا من جهلهم؛ فإن العطاء إنما هو بحسب مصلحة دين اللّه. فكلما كان للّه أطوع ولدين اللّه أنفع، كان العطاء فيه أولى. وعطاء /محتاج إليه في إقامة الدين وقمع أعدائه وإظهاره وإعلائه أعظم من إعطاء من لا يكون كذلك، وإن كان الثانى أحوج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت