الصفحة 674 من 1087

وقول القائل: إن هذه القيود على مذهب الشافعى دون مذهب مالك، وما نقله من مذهب عمر ـ فهذا يحتاج إلى معرفة بمذاهب الأئمة في ذلك، وسيرة الخلفاء في العطاء. وأصل ذلك أن الأرض إذا فتحت عنوة ففيها للعلماء ثلاثة أقوال:

أحدها: ـ وهو مذهب الشافعى ـ: أنه يجب قسمها بين الغانمين، إلا أن يستطيب أنفسهم فيقفها، وذكر فى [الأم] أنه لو حكم حاكم بوقفها من غير طيب أنفسهم نقض حكمه؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم قسم خيبر بين الغانمين، لكن جمهور الأئمة خالفوا الشافعى في ذلك، ورأوا أن ما فعله عمر بن الخطاب من جعل الأرض المفتوحة عنوة فيئا حسن جائز، وأن عمر حبسها بدون استطابة أنفس الغانمين. ولا نزاع أن كل أرض فتحها عمر بالشام عنوة. والعراق ومصر وغيرها لم يقسمها عمر بين الغانمين، وإنما قسم المنقولات، لكن قال مالك وطائفة ـ وهو القول الثانى ـ: إنها مختصة بأهل الحديبية. وقد صنف إسماعيل بن إسحاق إمام المالكية في ذلك بما نازع به الشافعى في هذه المسألة، وتكلم على حججه.

وعن الإمام أحمد كالقولين، لكن المشهور في مذهبه هو القول /الثالث، وهو مذهب الأكثرين؛ أبى حنيفة وأصحابه، والثورى، وأبى عبيد: وهو أن الإمام يفعل فيها ماهو أصلح للمسلمين من قسمها أو حبسها؛ فإن رأى قسمها كما قسم النبى صلى الله عليه وسلم خيبر فعل، وإن رأى أن يدعها فيئا للمسلمين فعل، كما فعل عمر، وكما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم فعل بنصف خيبر، وأنه قسم نصفها، وحبس نصفها لنوائبه، وأنه فتح مكة عنوة ولم يقسمها بين الغانمين.

فعلم أن أرض العنوة يجوز قسمها، ويجوز ترك قسمها. وقد صنف في ذلك مصنفا كبيرًا. إذا عرف ذلك، فمصر هى مما فتح عنوة، ولم يقسمها عمر بين الغانمين، كما صرح بذلك أئمة المذاهب، من الحنفية، والمالكية، والحنبلية، والشافعية، لكن تنقلت أحوالها بعد ذلك، كما تنقلت أحوال العراق. فإن خلفاء بنى العباس نقلوه إلى المقاسمة بعد المخارجة، وهذا جائز في أحد قولى العلماء. وكذلك مصر رفع عنها الخراج من مدة لا أعلم ابتداءها، وصارت الرقبة للمسلمين، وهذا جائز في أحد قولى العلماء.

وأما مذهب عمر في الفىء فإنه يجعل لكل مسلم فيه حقا، لكنه يقدم الفقراء وأهل المنفعة، كما قال عمر ـ رضى اللّه عنه ـ: ليس أحد أحق بهذا المال من أحد، إنما هو الرجل وبلاؤه، والرجل وغناؤه، /والرجل وسابقته، والرجل وحاجته. فكان يقدم في العطاء بهذه الأسباب، وكانت سيرته التفضيل في العطاء بالفضائل الدينية. وأما أبو بكر الصديق ـ رضى اللّه عنه ـ فسوى بينهم في العطاء إذا استووا في الحاجة، وإن كان بعضهم أفضل في دينه. وقال: إنما أسلموا للّه وأجورهم على اللّه، وإنما هذه الدنيا بلاغ. وروى عنه أنه قال: استوى فيهم إيمانهم ـ يعنى أن حاجتهم إلى الدنيا واحدة ـ فأعطيهم لذلك، لا للسابقة والفضيلة في الدين؛ فإن أجرهم يبقى على اللّه. فإذا استووا في الحاجة الدنيوية سوى بينهم في العطاء.

ويروى أن عمر في آخر عمره قال: لئن عشت إلى قابل لأجعلن الناس ببانا واحدا، أى: ماية واحدة، أى: صنفا واحدا.

وتفضيله كان بالأسباب الأربعة التى ذكرها: الرجل وبلاؤه، وهو الذى يجتهد في قتال الأعداء. والرجل وغناؤه، وهو الذى يغنى عن المسلمين في مصالحهم لولاة أمورهم ومعلميهم، وأمثال هؤلاء. والرجل وسابقته، وهو من كان من السابقين الأولين؛ فإنه كان يفضلهم في العطاء على غيرهم. والرجل وفاقته، فإنه كان يقدم الفقراء على الأغنياء، وهذا ظاهر؛ فإنه مع وجود المحتاجين كيف يحرم بعضهم ويعطى لغنى لا حاجة له ولا منفعة به، لا سيما إذا ضاقت أموال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت