فهرس الكتاب
بيت المال عن إعطاء كل المسلمين غنيهم وفقيرهم، فكيف يجوز أن يعطى الغنى الذى /ليس فيه نفع عام، ويحرم الفقير المحتاج، بل الفقير النافع.
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم: أنه أعطى من أموال بنى النضير، وكانت للمهاجرين، لفقيرهم، ولم يعط الأنصار منها شيئا؛ لغناهم إلا أنه أعطى بعض الأنصار لفقره. وفى السنن: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه مال أعطى الآهل قسمين والعزب قسما. فيفضل المتأهل على المتعزب؛ لأنه محتاج إلى نفقة نفسه، ونفقة امرأته. والحديث رواه أبو داود وأبو حاتم في صحيحه، والإمام أحمد في رواية أبى طالب وقال: حديث حسن، ولفظه عن عوف بن مالك أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفىء قسمه من يومه، فأعطى الآهل حظين وأعطى العزب حظا.
وحديث عمر رواه أحمد وأبو داود. ولفظ أبى داود عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: ذكر عمر يوما الفىء فقال: ما أنا بأحق بهذا الفىء منكم وما أحد منا بأحق به من أحد، إلا أنا على منازلنا من كتاب اللّه. الرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وغناؤه، والرجل وحاجته. ولفظ أحمد قال: كان عمر يحلف على أيمان ثلاث: واللّه ما أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، واللّه ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبدًا مملوكًا، ولكنا على منازلنا من كتاب اللّه. فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل /وقدمه، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته. واللّه لئن بقيت لهم لأوتين الراعى بجبل صنعاء حظه في هذا المال وهو يرعى مكانه.
فهذا كلام عمر الذى يذكر فيه بأن لكل مسلم حقا. يذكر فيه تقديم أهل الحاجات. ولا يختلف اثنان من المسلمين أنه لا يجوز أن يعطى الأغنياء الذين لا منفعة لهم ويحرم الفقراء؛ فإن هذا مضاد لقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} [الحشر: 7] ، فإذا جعل الفىء متداولا بين الأغنياء فهذا الذى حرمه اللّه ورسوله، وهذه الآية في نفس الأمر.
وأما نقل الناقل مذهب مالك بأن فى [المدونة] وجزية جماجم أهل الذمة، وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحا. فهو عند مالك جزية. والجزية عنده فىء. قال: ويعطى هذا الفىء أهل كل بلد افتتحوها عنوة أو صالحوا عليها، فيقسم عليهم، ويفضل بعض الناس على بعض من الفىء، ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا منه، ولا يخرج إلى غيرهم إلا أن ينزل بقوم حاجة فينقل إليهم بعد أن يعطى أهله منه ما يغنيهم عن الاجتهاد. وقال أيضا: قال مالك: وأما جزية الأرض فما أدرى كيف كان يصنع فيها، إلا أن عمر قد أقر الأرض فلم يقسمها بين الذين افتتحوها. وأرى لمن ينزل ذلك أن يكشف عنه /من يرضاه، فإن وجد عالمًا يستفتيه وإلا اجتهد هو ومن بحضرته رأسًا.
وأما إحياء الموات فجائز بدون إذن الإمام في مذهب الشافعى وأحمد وأبى يوسف ومحمد. واشترط أبو حنيفة أن يكون بإذن الإمام. وقال مالك: إن كان بعيدًا عن العمران بحيث لا تباح الناس فيه لم يحتج إلى إذنه، وإن كان مما قرب من العمران ويباح الناس فيه افتقر إلى إذنه.
لكن إن كان الإحياء في أرض الخراج، فهل يملك بالإحياء ولا خراج عليه، أو يكون بيده وعليه الخراج؟ على قولين للعلماء. هما روايتان عن أحمد.
وأما من قتل أو مات من المقاتلة فإنه ترزق امرأته وأولاده الصغار. وفى مذهب أحمد والشافعى في أحد قوليه وغيرهما: فينفق على امرأته حتى تتزوج وعلى ابنته الصغيرة حتى تتزوج وعلى ابنه الصغير حتى يبلغ. ثم يجعل من المقاتلة إن كان يصلح للقتال؛ وإلا إن كان من أهل الحاجة والذين يعطون من الصدقة وفاضل الفىء والمصالح، أعطى له من ذلك وإلا فلا.
وقال ـ رحمه اللّه: