الصفحة 699 من 1087

وسئل عن الرهبان الذين يشاركون الناس في غالب الدنيا: فيتجرون ويتخذون المزارع وأبراج الحمام وغير ذلك من الأمور التي يتخذها سائر الناس فيما هم فيه الآن. وإنما ترهب أحدهم في اللباس وترك النكاح وأكل اللحم والتعبد بالنجاسة ونحو ذلك. وقد صار من يريد إسقاط الجزية من النصارى يترهب هذا الترهب لسقوط الجزية عنه ويأخذون من الأموال المحبوسة والمنذورة ما يأخذون. فهل يجوز أخذ الجزية من هؤلاء أم لا؟ وهل يجوز إسكانهم بلاد المسلمين مع رفع الجزية عنهم أم لا؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب - رضي الله عنه - الحمد لله. الرهبان الذين تنازع العلماء في قتلهم وأخذ الجزية منهم: هم المذكورون في الحديث المأثور عن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه أميرًا على فتح الشام فقال له في وصيته: (وستجدون أقوامًا قد حبسوا أنفسهم في الصوامع فذروهم وما حبسوا أنفسهم له وستجدون أقواما قدفحصوا عن أوساط رءوسهم فاضربوا ما فحصوا عنه بالسيف وذلك بأن الله يقول: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} [التوبة: 12] ) .

وإنما نهى عن قتل هؤلاء، لأنهم قوم منقطعون عن الناس محبوسون في الصوامع يسمى أحدهم حبيسا لا يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلًا ولا يخالطونهم في دنياهم، ولكن يكتفي أحدهم بقدر ما يتبلغ به. فتنازع العلماء في قتلهم كتنازعهم في قتل من لا يضر المسلمين لا بيده ولا لسانه، كالأعمى والزمن والشيخ الكبير ونحوه، كالنساء والصبيان.

فالجمهور يقولون: لا يقتل إلا من كان من المعاونين لهم على القتال في الجملة وإلا كان كالنساء والصبيان. ومنهم من يقول: بل مجرد الكفر هو المبيح للقتل وإنما استثنى النساء والصبيان، لأنهم أموال. وعلى هذا الأصل ينبني أخذ الجزية. وأما الراهب الذي يعاون أهل دينه بيده ولسانه: مثل أن يكون له رأي يرجعون إليه في القتال أو نوع من التحضيض: فهذا يقتل باتفاق العلماء إذا قدر عليه وتؤخذ منه الجزية وإن كان حبيسًا منفردًا في متعبده.

فكيف بمن هم كسائر النصارى في معايشهم ومخالطتهم الناس واكتساب الأموال بالتجارات والزراعات والصناعات، واتخاذ الديارات الجامعات لغيرهم وإنما تميزوا على غيرهم بما يغلظ كفرهم ويجعلهم أئمة في الكفر مثل التعبد بالنجاسات وترك النكاح واللحم واللباس الذي هو شعار الكفر لا سيما وهم الذين يقيمون دين النصارى بما يظهرونه من الحيل الباطلة التي صنف الفضلاء فيها مصنفات ومن العبادات الفاسدة وقبول نذورهم وأوقافهم.

والراهب عندهم شرطه ترك النكاح فقط وهم مع هذا يجوزون أن يكون بتركًا وبطرقًا وقسيسًا وغيرهم من أئمة الكفر الذين يصدرون عن أمرهم ونهيهم، ولهم أن يكتسبوا الأموال كما لغيرهم مثل ذلك. فهؤلاء لا يتنازع العلماء في أنهم من أحق النصارى بالقتل عند المحاربة وبأخذ الجزية عند المسالمة وأنهم من جنس أئمة الكفر الذين قال فيهم الصديق رضي الله عنه ما قال وتلا قوله تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12] .

ويبين ذلك أنه سبحانه وتعالى قد قال: {إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [التوبة: 34] وقد قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .

فهل يقول عالم: إن أئمة الكفر الذين يصدون عوامهم عن سبيل الله ويأكلون أموال الناس بالباطل ويرضون بأن يتخذوا أربابًا من دون الله: لا يقاتلون ولا تؤخذ منهم الجزية، مع كونها تؤخذ من العامة الذين هم أقل منهم ضررا في الدين وأقل أموالا. لا يقوله من يدري ما يقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت