وقفها ذمي وتحاكم إلينا لم نحكم بصحة الوقف. فكيف بحبس أموال المسلمين على معابد الكفار التي يشرك فيها بالرحمن ويسب الله ورسوله فيها أقبح سب. وكان من سبب إحداث هذه الكنائس وهذه الأحباس عليها شيئان. [أحدهما] : أن بني عبيد القداح - الذين كان ظاهرهم الرفض وباطنهم النفاق - يستوزرون تارة يهوديا وتارة نصرانيا واجتلب ذلك النصراني خلقا كثيرا وبنى كنائس كثيرة. [والثاني] : استيلاء الكتاب من النصارى على أموال المسلمين فيدلسون فيها على المسلمين ما يشاءون. والله أعلم. وصلى الله على محمد.
وقال الشيخ رحمه الله
تعلمون أنا بحمد الله في نعم عظيمة ومنن جسيمة وآلاء متكاثرة وأياد متظاهرة. لم تكن تخطر لأكثر الخلق ببال ولا تدور لهم في خيال. والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى. إلى أن قال: والحق دائما في انتصار وعلو وازدياد والباطل في انخفاض وسفال ونفاد. وقد أخضع الله رقاب الخصوم وأذلهم غاية الذل وطلب أكابرهم من السلم والانقياد ما يطول وصفه. ونحن - ولله الحمد - قد اشترطنا عليهم في ذلك من الشروط ما فيه عز الإسلام والسنة وانقماع الباطل والبدعة وقد دخلوا في ذلك كله وامتنعنا حتى يظهروا ذلك إلى الفعل. فلم نثق لهم بقولولا عهد ولم نجبهم إلى مطلوبهم. حتى يصير المشروط معمولا والمذكور مفعولا ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم. وقد أمد الله من الأسباب التي فيها عز الإسلام والسنة وقمع الكفر والبدعة: بأمور يطول وصفها في كتاب. وكذلك جرى من الأسباب التي هي عز الإسلام وقمع اليهود والنصارى بعد أن كانوا قد استطالوا وحصلت لهم شوكة وأعانهم من أعانهم على أمر فيه ذل كبير من الناس فلطف الله باستعمالنا في بعض ما أمر الله به ورسوله. وجرى في ذلك مما فيه عز المسلمين.
وتأليف قلوبهم وقيامهم على اليهود والنصارى وذل المشركين وأهل الكتاب مما هو من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين. ووصف هذا يطول. وقد أرسلت إليكم كتابا أطلب ما صنفته في أمر الكنائس وهي كراريس بخطي قطع النصف البلدي. فترسلون ذلك إن شاء الله تعالى وتستعينون على ذلك بالشيخ جمال الدين المزي فإنه يقلب الكتب ويخرج المطلوب. وترسلون أيضا من تعليق القاضي أبي يعلى الذي بخط القاضي أبي الحسين إن أمكن الجميع وهو أحد عشر مجلدا وإلا فمن أوله مجلدا أو مجلدين أو ثلاثة. وذكر كتبا يطلبها منهم.
ما تقول السادة العلماء:
في قوم من أهل الذمة ألزموا بلباس غير لباسهم المعتاد وزي غير زيهم المألوف وذلك أن السلطان ألزمهم بتغيير عمائمهم وأن تكون خلاف عمائم المسلمين فحصل بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاع وآذوهم غاية الأذى وطمع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم.
فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التمييز بعلامة يعرفون بها؟ وهل ذلك مخالف للشرع أم لا؟.
قال ابن القيم: فأجابهم من منع التوفيق وصد عن الطريق بجواز ذلك وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه. قال شيخنا: فجاءتني الفتوى. فقلت: لا تجوز إعادتهم ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميزون به عن المسلمين. فذهبوا ثم غيروا الفتيا ثم جاءوا بها في قالب آخر فقلت: لا تجوز إعادتهم. فذهبوا ثم أتوا بها في قالب آخر فقلت: هي المسألة المعينة وإن خرجت في عدة قوالب. قال ابن القيم: ثم ذهب شيخ الإسلام إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون فأطبق القوم على إبقائهم. ولله الحمد والمنة.