الصفحة 705 من 1087

حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة) فذكر اجتهادهم بالصلاة والصيام والقراءة، وأنهم يغلون في ذلك، حتى تحقر الصحابة عبادتهم في جنب عبادة هؤلاء.

وهؤلاء غلوا في العبادات بلا فقه، فآل الأمر بهم إلى البدعة، فقال: (ىمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما وجدتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة) . فإنهم قد استحلوا دماء المسلمين، وكفروا من خالفهم، وجاءت فيهم الأحاديث / الصحيحة، قال الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله تعالى ـ: صح فيهم الحديث من عشرة أوجه، وقد أخرجها مسلم في صحيحه وأخرج البخاري قطعة منها.

ثم هذه الأجناس الثلاثة مشروعة، ولكن يبقى الكلام في القدر المشروع منها، وله صنف كتاب [الاقتصاد في العبادة] . وقال أبي بن كعب، وغيره: اقتصاد في سنة، خير من اجتهاد في بدعة.

والكلام في سرد الصوم وصيام الدهر سوى يومي العيدين، وأيام التشريق، وقيام جميع الليل، هل هو مستحب؟ كما ذهب إلى ذلك طائفة من الفقهاء، والصوفية والعباد، أو هو مكروه ـ كما دلت عليه السنة وإن كان جائزًا؟ لكن صوم يوم وفطر يوم أفضل، وقيام ثلث الليل أفضل، ولبسطه موضع آخر.

إذ المقصود هنا الكلام في أجناس عبادات غير مشروعة، حدثت في المتأخرين كالخلوات فإنها تشتبه بالاعتكاف الشرعي، والاعتكاف الشرعي في المساجد، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله هو وأصحابه، من العبادات الشرعية.

وأما الخلوات، فبعضهم يحتج فيها بتحنثه بغار حراء قبل الوحي، وهذا خطأ، / فإن ما فعله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة إن كان قد شرعه بعد النبوة، فنحن مأمورون باتباعه فيه، وإلا فلا. وهو من حين نبأه الله ـ تعالى ـ لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون. وقد أقام ـ صلوات الله عليه ـ بمكة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكة في عمرة القضاء، وعام الفتح أقام بها قريبًا من عشرين ليلة، وأتاها في حجة الوداع، وأقام بها أربع ليال، وغار حراء قريب منه، ولم يقصده.

وذلك أن هذا كانوا يأتونه في الجاهلية، ويقال: إن عبد المطلب هو سن لهم إتيانه؛ لأنه لم تكن لهم هذه العبادات الشرعية التي جاء بها بعد النبوة ـ صلوات الله عليه ـ كالصلاة والاعتكاف في المساجد، فهذه تغني عن إتيان حراء بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي، فإنه لم يكن يقرأ، بل قال له الملك ـ عليه السلام ـ: اقرأ. قال ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ: (فقلت: لست بقارئ) ولا كانوا يعرفون هذه الصلاة! ولهذا لما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عنها من نهاه من المشركين، كأبي جهل، قال الله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى. عَبْدًا إِذَا صَلَّى. أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى. أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى. أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى. كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَ بِالنَّاصِيَةِ. نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ. فَلْيَدْعُ نَادِيَه. سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ. كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 9 ـ 19] .

وطائفة يجعلون الخلوة أربعين يومًا، ويعظمون أمر الأربعينية، / ويحتجون فيها بأن الله ـ تعالى ـ واعد موسى ـ عليه السلام ـ ثلاثين ليلة وأتمها بعشر. وقد روى أن موسى ـ عليه السلام ـ صامها وصام المسيح أيضًا أربعين لله ـ تعالى ـ وخوطب بعدها. فيقولون يحصل بعدها الخطاب والتنزل، كما يقولون في غار حراء حصل بعده نزول الوحي.

وهذا أيضًا غلط، فإن هذه ليست من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بل شرعت لموسى ـ عليه السلام ـ كما شرع له السبت والمسلمون لا يسبتون، وكما حرم في شرعه أشياء لم تحرم في شرع محمد صلى الله عليه وسلم. فهذا تمسك بشرع منسوخ، و ذاك تمسك بما كان قبل النبوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت