وقد جرب أن من سلك هذه العبادات البدعية أتته الشياطين، وحصل له تنزل شيطاني، وخطاب شيطاني، وبعضهم يطير به شيطانه، وأعرف من هؤلاء عددًا طلبوا أن يحصل لهم من جنس ما حصل للأنبياء من التنزل، فنزلت عليهم الشياطين؛ لأنهم خرجوا عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم التي أمروا بها. قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18، 19] .
وكثير منهم لا يحد للخلوة مكانًا، ولا زمانًا، بل يأمر الإنسان أن يخلو في الجملة.
/ثم صار أصحاب الخلوات فيهم من يتمسك بجنس العبادات الشرعية، الصلاة والصيام، والقراءة والذكر. وأكثرهم يخرجون إلى أجناس غير مشروعة، فمن ذلك طريقة أبي حامد ومن تبعه، وهؤلاء يأمرون صاحب الخلوة ألا يزيد على الفرض، لا قراءة ولا نظرًا في حديث نبوي، ولا غير ذلك، بل قد يأمرونه بالذكر، ثم قد يقولون ما يقوله أبو حامد: ذكر العامة: لا إله إلا الله، وذكر الخاصة: الله، الله، وذكر خاصة الخاصة: هو، هو.
والذكر بالاسم المفرد مظهرًا، ومضمرًا بدعة في الشرع، وخطأ في القول واللغة، فإن الاسم المجرد ليس هو كلامًا لا إيمانًا ولا كفرًا.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) . وفي حديث آخر: (أفضل الذكر لا إله إلا الله) ، وقال: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) . والأحاديث في فضل هذه الكلمات كثيرة صحيحة.
وأما ذكر الاسم المفرد، فبدعة لم يشرع، وليس هو بكلام يعقل ولا فيه إيمان؛ ولهذا صار بعض من يأمر به من المتأخرين يبين أنه ليس / قصدنا ذكر الله ـ تعالى ـ ولكن جمع القلب على شيء معين حتي تستعد النفس لما يرد عليها، فكان يأمر مريده بأن يقول هذا الاسم مرات، فإذا اجتمع قلبه ألقى عليه حالًا شيطانيًا، فيلبسه الشيطان، ويخيل إليه أنه قد صار في الملأ الأعلى، وأنه أعطى ما لم يعطه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ولا موسى ـ عليه السلام ـ يوم الطور، وهذا وأشباهه وقع لبعض من كان في زماننا.
وأبلغ من ذلك من يقول: ليس مقصودنا إلا جمع النفس بأي شيء كان، حتي يقول: لا فرق بين قولك: يا حي! وقولك: يا جحش! وهذا مما قاله لي شخص منهم، وأنكرت ذلك عليه، ومقصودهم بذلك أن تجتمع النفس حتى يتنزل عليها الشيطان.
ومنهم من يقول: إذا كان قصد وقاصد، ومقصود، فاجعل الجميع واحدًا، فيدخله في أول الأمر في وحدة الوجود.
وأما أبو حامد، وأمثاله ممن أمروا بهذه الطريقة، فلم يكونوا يظنون أنها تفضي إلى الكفر لكن ينبغي أن يعرف أن البدع بريد الكفر، ولكن أمروا المريد أن يفرغ قلبه من كل شيء، حتى قد يأمروه أن يقعد في مكان مظلم ويغطي رأسه ويقول: الله، الله. وهم يعتقدون أنه إذا فرغ قلبه استعد بذلك فينزل على قلبه من المعرفة ما هو المطلوب، بل / قد يقولون: إنه يحصل له من جنس ما يحصل للأنبياء.
ومنهم من يزعم أنه حصل له أكثر مما حصل للأنبياء، وأبو حامد يكثر من مدح هذه الطريقة في [الإحياء] وغيره، كما أنه يبالغ في مدح الزهد، وهذا من بقايا الفلسفة عليه. فإن المتفلسفة، كابن سينا، وأمثاله يزعمون أن كل ما يحصل في القلوب من العلم للأنبياء وغيرهم فإنما هو من العقل الفعال؛ ولهذا يقولون: النبوة مكتسبة، فإذا تفرغ صفى قلبه ـ عندهم ـ وفاض على قلبه من