جنس ما فاض على الأنبياء. وعندهم أن موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم كلم من سماء عقله، لم يسمع الكلام من خارج؛ فلهذا يقولون: إنه يحصل لهم مثل ما حصل لموسى، وأعظم مما حصل لموسى.
وأبو حامد يقول: إنه سمع الخطاب، كما سمعه موسى ـ عليه السلام ـ وإن لم يقصد هو بالخطاب، وهذا كله؛ لنقص إيمانهم بالرسل وأنهم آمنوا ببعض ما جاءت به الرسل وكفروا ببعض، وهذا الذي قالوه باطل من وجوه:
أحدها: أن هذا الذي يسمونه: العقل الفعال، باطل لا حقيقة له كما قد بسط هذا في موضع آخر.
الثاني: أن ما يجعله الله في القلوب يكون تارة بواسطة الملائكة / إن كان حقًا، وتارة بواسطة الشياطين، إذا كان باطلًا. والملائكة، والشياطين أحياء ناطقون، كما قد دلت على ذلك الدلائل الكثيرة من جهة الأنبياء، وكما يدعي ذلك من باشره من أهل الحقائق. وهم يزعمون أن الملائكة، والشياطين صفات لنفس الإنسان فقط. وهذا ضلال عظيم.
الثالث: أن الأنبياء جاءتهم الملائكة من ربهم بالوحي، ومنهم من كلمه الله ـ تعالى ـ فقربه وناداه، كما كلم موسى ـ عليه السلام ـ لم يكن ما حصل لهم مجرد فيض، كما يزعمه هؤلاء.
الرابع: أن الإنسان إذا فرغ قلبه من كل خاطر. فمن أين يعلم أن ما يحصل فيه حق؟ هذا إما أن يعلم بعقل، أو سمع، وكلاهما لم يدل على ذلك.
الخامس: أن الذي قد علم بالسمع والعقل، أنه إذا فرغ قلبه من كل شيء حلت فيه الشياطين، ثم تنزلت عليه الشياطين، كما كانت تتنزل على الكهان، فإن الشيطان إنما يمنعه من الدخول إلى قلب ابن آدم ما فيه من ذكر الله، الذي أرسل به رسله، فإذا خلا من ذلك تولاه الشيطان، قال الله ـ تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 36، 37] ، وقال الشيطان، فيما أخبر الله عنه: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82، 83] ، وقال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] ، والمخلصون هم الذين يعبدونه وحده لا يشركون به شيئًا، وإنما يعبد الله بما أمر به على ألسنة رسله فمن لم يكن كذلك تولته الشياطين.
وهذا باب دخل فيه أمر عظيم على كثير من السالكين، واشتبهت عليهم الأحوال الرحمانية بالأحوال الشيطانية، وحصل لهم من جنس ما يحصل للكهان والسحرة، وظنوا أن ذلك من كرامات أولياء الله المتقين، كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
السادس: أن هذه الطريقة لو كانت حقًا، فإنما تكون في حق من لم يأته رسول، فأما من أتاه رسول وأمر بسلوك طريق، فمن خالفه ضل، وخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، قد أمر أمته بعبادات شرعية من صلاة، وذكر، ودعاء، وقراءة، لم يأمرهم قط بتفريغ القلب من كل خاطر، وانتظار ما ينزل.
فهذه الطريقة لو قدر أنها طريق لبعض الأنبياء، لكانت منسوخة بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف وهي طريقة جاهلية لا توجب الوصول إلى المطلوب إلا بطريق الاتفاق، بأن يقذف الله ـ تعالى ـ في قلب / العبد إلهامًا ينفعه؟ وهذا قد يحصل لكل أحد ليس هو من لوازم هذه الطريق.
ولكن التفريغ والتخلية التي جاء بها الرسول أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله، ويملؤه بما يحبه الله، فيفرغه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله، وكذلك يفرغه عن محبة غير الله ويملؤه بمحبة الله، وكذلك يخرج عنه خوف غير الله، ويدخل فيه خوف الله ـ تعالى ـ وينفي عنه التوكل على غير الله، ويثبت فيه التوكل على الله. وهذا هو الإسلام المتضمن للإيمان الذي يمده القرآن