ويقويه، لا ينقاضه وينافيه، كما قال جندب وابن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا.
وأما الاقتصار على الذكر المجرد الشرعي، مثل قول: لا إله إلا الله، فهذا قد ينتفع به الإنسان أحيانًا، لكن ليس هذا الذكر وحده هو الطريق إلى الله ـ تعالى ـ دون ما دعاه، بل أفضل العبادات البدنية الصلاة، ثم القراءة، ثم الذكر، ثم الدعاء، والمفضول في وقته الذي شرع فيه أفضل من الفاضل، كالتسبيح في الركوع، والسجود، فإنه أفضل من القراءة، وكذلك الدعاء في آخر الصلاة أفضل من القراءة، ثم قد يفتح على الإنسان في العمل المفضول، ما لا يفتح عليه في العمل الفاضل. وقد ييسر عليه هذا دون هذا، فيكون هذا أفضل في حقه لعجزه عن الأفضل، كالجائع إذا وجد الخبز المفضول متيسرًا عليه، والفاضل متعسرًا / عليه فإنه ينتفع بهذا الخبز المفضول، وشبعه واغتذاؤه به حينئذ أولى به.
السابع: أن أبا حامد يشبه ذلك بنقش أهل الصين والروم على تزويق الحائط، وأولئك صقلوا حائطهم حتى تمثل فيه ما صقله هؤلاء، وهذا قياس فاسد؛ لأن هذا الذي فرغ قلبه لم يكن هناك قلب آخر يحصل له به التحلية، كما حصل لهذا الحائط من هذا الحائط. بل هو يقول إن: العلم منقوش في النفس الفلكية، ويسمى ذلك [اللوح المحفوظ] تبعًا لابن سينا.
وقد بينا في غير هذا الموضع أن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله ورسوله ليس هو النفس الفلكية، وابن سينا ومن تبعه أخذوا أسماء جاء بها الشرع، فوضعوا لها مسميات مخالفة لمسميات صاحب الشرع، ثم صاروا يتكلمون بتلك الأسماء، فيظن الجاهل أنهم يقصدون بها ما قصده صاحب الشرع، فأخذوا مخ الفلسفة، وكسوه لحاء الشريعة.
وهذا كلفظ المُلْكِ، والملكوت، والجبروت، و اللوح المحفوظ، والملك، والشيطان، والحدوث، والقدم وغير ذلك.
/وقد ذكرنا من ذلك طرفًا في الرد على الاتحادية، لما ذكرنا قول ابن سبعين وابن عربي وما يوجد في كلام أبي حامد، ونحوه من أصول هؤلاء الفلاسفة الملاحدة الذين يحرفون كلام الله ورسوله عن مواضعه، كما فعلت طائفة القرامطة الباطنية.
والمقصود هنا أنه لو كانت العلوم تنزل على القلوب من النفس الفلكية، كما يزعم هؤلاء، فلا فرق في ذلك بين الناظر والمستدل والمفرغ قلبه، فتمثيل ذلك بنقش أهل الصين والروم تمثيل باطل.
ومن أهل هذه الخلوات من لهم أذكار معينة وقوت معين، ولهم تنزلات معروفة، وقد بسط الكلام عليها ابن عربي الطائي ومن سلك سبيله، كالتلمساني، وهي تنزلات شيطانية قد عرفتها وخبرت ذلك من وجوه متعددة، لكن ليس هذا موضع بسطها، وإنما المقصود التنبيه على هذا الجنس.
ومما يأمرون به الجوع والسهر والصمت مع الخلوة بلا حدود شرعية، بل سهر مطلق، وجوع مطلق، وصمت مطلق مع الخلوة، كما ذكر ذلك ابن عربي وغيره، وهي تولد لهم أحوالًا شيطانية، و أبو طالب قد ذكر بعض ذلك، لكن أبو طالب أكثر اعتصامًا بالكتاب والسنة من هؤلاء. ولكن يذكر أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة. / من جنس أحاديث المسبعات التي رواها عن الخضر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كذب محض، وإن كان ليس فيه إلا قراءة قرآن، ويذكر أحيانًا عبادات بدعية من جنس ما بالغ في مدح الجوع هو، وأبو حامد وغيرهما، وذكروا أنه يزن الخبز بخشب رطب، كلما جف نقص الأكل.
وذكروا صلوات الأيام والليالي، وكلها كذب موضوعة؛ ولهذا قد يذكرون مع ذلك شيئًا من الخيالات الفاسدة، وليس هذا موضع بسط ذلك.