الصفحة 733 من 1087

قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] ، قال الفضيل بن عياض عن ليث / عن مجاهد: هي المودات التي كانت لغير اللّه، والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ} [البقرة: 167] . فالأعمال التي أراهم اللّه حسرات عليهم: هي الأعمال التي يفعلها بعضهم، مع بعض في الدنيا كانت، لغير اللّه، ومنها الموالاة، والصحبة، والمحبة، لغير اللّه. فالخير كله في أن يعبد اللّه وحده لا يشرك به شيئًا، ولا حول ولا قوة إلا باللّه.

فَصْل

في تزكية النفس وكيف تزكو بترك المحرمات مع فعل المأمورات، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9] ، و {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] .

قال قتادة وابن عيينة وغيرهما: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة اللّه، وصالح الأعمال. وقال الفراء والزجاج: قد أفلحت نفس زكاها اللّه، وقد خابت نفس دساها اللّه. وكذلك ذكره الوالبي، عن ابن عباس وهو منقطع. وليس هو مراد من الآية؛ بل المراد بها الأول قطعًا لفظًا ومعنى.

أما اللفظ فقوله: من زكاها اسم موصول ولابد فيه من عائد/ على {مّن} فإذا قيل: قد أفلح الشخص الذي زكاها؛ كان ضمير الشخص في زكاها يعود على {مّن} ، هذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته كما يقال: قد أفلح من اتقى الله وقد أفلح من أطاع ربه.

وأما إذا كان المعنى: قد أفلح من زكاه اللّه، لم يبق في الجملة ضمير يعود على {مّن} فإن الضميرعلى هذا يعود على اللّه، وليس هو {مّن} وضمير المفعول يعود على النفس المتقدمة فلا يعود على {مّن} لا ضمير الفاعل، ولا المفعول. فتخلوا الصلة من عائد وهذا لا يجوز.

نعم، لو قيل: قد أفلح من زكى اللّه نفسه، أو من زكاها اللّه له، ونحو ذلك صح الكلام، وخفاء هذا على من قال به من النحاة عجب. وهو لم يقل: قد أفلحت نفس زكاها. فإنه هنا كانت تكون زكاها صفة لنفس لا صلة، بل قال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9] ، فالجملة صلة لـ {مّن} لا صفة لها.

ولا قال أيضًا: قد أفلحت النفس التي زكاها، فإنه لو قيل ذلك، وجعل في {زّكَّاهّا} ضمير يعود على اسم اللّه صح، فإذا تكلفوا، وقالوا: التقدير {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} هي النفس التي زكاها، وقالوا: في زكى ضمير المفعول يعود على {مَنْ} وهي تصلح للمذكر والمؤنث / والواحد والعدد، فالضمير عائد على معناها المؤنث، وتأنيثها غير حقيقي؛ ولهذا قيل: {قّدً أّفًلّح} ولم يقل: قد أفلحت، قيل لهم: هذا مع أنه خروج من اللغة الفصيحة، فإنما يصح إذا دل الكلام على ذلك في مثل ومن. . . على أن المراد لنا، وكذا قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [يونس: 42] ، ونحو ذلك.

وأما هنا فليس في لفظ {مَنْ} ، وما بعدها ما يدل على أن المراد به النفس المؤنثة، فلا يجوز أن يراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته، فإن مثل هذا مما يصان كلام اللّه عز وجل عنه، فلو قدر احتمال عود ضمير {زَكَّاهَا} إلى نفس وإلى {مَنْ} ، مع أن لفظ {مَنْ} لا دليل يوجب عوده عليه؛ لكان إعادته إلى المؤنث أولى من إعادته إلى ما يحتمل التذكير والتأنيث، وهو في التذكير أظهر، لعدم دلالته على التأنيث، فإن الكلام إذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما، ومن تكلف غير ذلك، فقد خرج عن كلام العرب المعروف، والقرآن منزه عن ذلك، والعدول عما يدل عليه ظاهر الكلام إلى مالا يدل عليه بلا دليل لا يجوز البتة فكيف إذا كان نصًا من جهة المعني؟! فقد أخبر اللّه أنه يلهم التقوى والفجور. ولبسط هذا موضع آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت