الصفحة 734 من 1087

/والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم، والتحذير من تدسيتها، كقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] ، فلو قدر أن المعنى قد أفلح من زكى اللّه نفسه لم يكن فيه أمر لهم ولا نهي، ولا ترغيب ولا ترهيب. والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد القدر فلا يقول: من جعله اللّه مؤمنًا، بل يقول: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] ، {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} إذ ذكر مجرد القدر في هذا يناقض المقصود، ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلا فكيف بكلام اللّه؟! ألا ترى أنه في مقام الأمر، والنهي، والترغيب، والترهيب يذكر ما يناسبه من الوعد، والوعيد، والمدح، والذم، وإنما يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم، إما بما ليس من أفعالهم، وإما بإنعامه بالإيمان، والعمل الصالح، ويذكره في سياق قدرته ومشيئته، وأما في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند النعم. كقوله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى} الآية [النور: 21] ، فهذا مناسب. وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} وهذه الآية من جنس الثانية لا الأولى.

والمقصود ذكر التزكية قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا} الآية [النور: 30] ، وقال: {فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور: 28] ، وقال: {الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 7] ، وقال: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} [عبس: 7] .

وأصل الزكاة الزيادة في الخير. ومنه يقال: زكا الزرع، وزكا /المال إذا نما. ولن ينمو الخير إلا بترك الشر، والزرع لا يزكو حتى يزال عنه الدغل، فكذلك النفس والأعمال لا تزكوا حتي يزال عنها ما يناقضها ولا يكون الرجل متزكيًا إلا مع ترك الشر، فإنه يدنس النفس ويدسيها. قال الزجاج: {دّسَّاهّا} جعلها ذليلة حقيرة خسيسة، وقال الفراء: دساها؛ لأن البخيل يخفي نفسه ومنزله وماله، قال ابن قتيبة: أي أخفاها بالفجور والمعصية، فالفاجر دس نفسه، أي قمعها وخباها، وصانع المعروف شهر نفسه ورفعها، وكانت أجواد العرب تنزل الربى لتشهر أنفسها، واللئام تنزل الأطراف والوديان.

فالبر والتقوى يبسط النفس، ويشرح الصدر، بحيث يجد الإنسان في نفسه اتساعًا وبسطًا عما كان عليه قبل ذلك، فإنه لما اتسع بالبر والتقوى والإحسان بسطه اللّه وشرح صدره، والفجور، والبخل يقمع النفس ويضعها ويهينها، بحيث يجد البخيل في نفسه أنه ضيق. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الحديث الصحيح، فقال: (مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما. فجعل المتصدق كلما هم بصدقة اتسعت وانبسطت عنه، حتى تغشى أنامله، وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة، قلصت، وأخذت كل حلقة بمكانها، وأنا رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول بأصبعه في جيبه، فلو رأيتها يوسعها فلا تتسع) أخرجاه.

/وإخفاء المنزل وإظهاره تبعًا لذلك، قال تعالى: {يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} الآية [النحل: 59] . فهكذا النفس البخيلة الفاجرة قد دسها صاحبها في بدنه بعضها في بعض؛ ولهذا وقت الموت تنزع من بدنه كما ينزع السفود من الصوف المبتل، والنفس البرة التقية النقية، التي قد زكاها صاحبها فارتفعت، واتسعت، ومجدت، ونبلت فوقت الموت تخرج من البدن تسيل، كالقطرة من في السقاء، وكالشعرة من العجين. قال ابن عباس: إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة لظلمة في القلب، وسوادًا في الوجه، ووهنا في البدن، وضيقًا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق. قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ} الآية [الأعراف: 58] . وهذا مثل البخيل والمنفق. قال: {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ} الآية [الأنعام: 521] . وقال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} الآية [البقرة: 257] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت