الصفحة 735 من 1087

وقال له في سياق الرمي بالفاحشة، وذم من أحب إظهارها في المؤمنين، والمتكلم بما لا يعلم: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} الآية [النور: 21] . فبين أن الزكاة إنما تحصل بترك الفاحشة ولهذا قال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} الآية [النور: 30] . وذلك أن ترك السيئات هو من أعمال النفس، فإنها تعلم أن السيئات مذمومة ومكروه فعلها، ويجاهد نفسه إذا دعته إليها، إن كان مصدقًا لكتاب / ربه مؤمنا بما جاء عن نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا التصديق والإيمان والكراهة وجهاد النفس أعمال تعملها النفس المزكاة، فتزكو بذلك أيضًا، بخلاف ما إذا عملت السيئات فإنها تتدنس وتندس، وتنقمع، كالزرع إذا نبت معه الدغل.

والثواب إنما يكون على عمل موجود، وكذلك العقاب. فأما العدم المحض، فلا ثواب فيه ولا عقاب، لكن فيه عدم الثواب والعقاب، واللّه سبحانه أمر بالخير، ونهى عن الشر، واتفق الناس على أن المطلوب بالأمر فعل موجود، واختلفوا في النهي هل المطلوب أمر وجودي، أم عدمي؟ فقيل: وجودي، وهو الترك، وهذا قول الأكثر. وقيل: المطلوب عدم الشر، وهو ألا يفعله.

والتحقيق أن المؤمن إذا نهى عن المنكر، فلا بد ألا يقربه ويعزم على تركه، ويكره فعله، وهذا أمر وجودي بلا ريب، فلايتصور أن المؤمن الذي يعلم أنه. . . وجودي، لكن قد لا يكون مريدًا له كما يكره أكل الميتة طبعًا، ومع ذلك، فلابد له من اعتقاد التحريم والعزم على تركه لطاعة الشارع، وهذا قدر زائد على كراهة الطبع، وهو أمر وجودي يثاب عليه، ولكن ليس كثواب من كف نفسه وجاهدها عن طلب / المحرم، ومن كانت كراهته للمحرمات كراهة إيمان. وقد غمر إيمانه حكم طبعه، فهذا أعلى الأقسام الثلاثة، وهذا صاحب النفس المطمئنة، وهو أرفع من صاحب اللوامة التي تفعل الذنب، وتلوم صاحبها عليه، وتتلوم وتتردد، هل تفعله أم لا؟!

وأما من لم يخطر بباله أن اللّه حرمه، ولا هو مريد له، بل لم يفعله، فهذا لايعاقب ولا يثاب، إذ لم يحصل منه أمر وجودي يثاب عليه، أو يعاقب فمن قال: المطلوب ألا يفعل، إن أراد أن هذا المطلوب يكفي في عدم العقاب، فقد صدق، وإن أراد أنه يثاب على هذا العدم، فليس كذلك، والكافر إذا لم يؤمن باللّه ورسوله، فلا بد لنفسه من أعمال يشتغل بها عن الإيمان، وترك الأعمال كفر يعاقب عليها.

ولهذا لما ذكر اللّه عقوبة الكفار في النار، ذكر أمورًا وجودية وتلك تدس النفس؛ ولهذا كان التوحيد والإيمان أعظم ما تزكو به النفس، وكان الشرك أعظم ما يدسيها، وتتزكى بالأعمال الصالحة والصدقة هذا كله مما ذكره السلف. قالوا: في {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] ، تطهر من الشرك، ومن المعصية بالتوبة، وعن أبي سعيد وعطاء وقتادة: صدقة الفطر. ولم يريدوا أن الآية لم تتناول إلا هي، بل مقصودهم: أن من أعطى صدقة الفطر، وصلى صلاة العيد فقد تناولته وما بعدها، ولهذا / كان يزيد بن حبيب، كلما خرج إلى الصلاة خرج بصدقة، ويتصدق بها، قبل الصلاة، ولو لم يجد إلا بصلًا. قال الحسن: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} من كان عمله زاكيًا، وقال أبو الأحوص: زكاة الأمور كلها، وقال الزجاج: تزكى بطاعة اللّه عز وجل، ومعنى الزاكي: النامي الكثير.

وكذلك قالوا في قوله: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6، 7] قال ابن عباس: لايشهدون أن لا إله إلا اللّه، وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم أي ليست زاكية، وقيل لا يطهرونها بالإخلاص، كأنه أراد ـ واللّه أعلم ـ أهل الرياء، فإنه شرك. وعن الحسن: لا يؤمنون بالزكاة، ولا يقرون بها. وعن الضحاك: لا يتصدقون، ولا ينفقون في الطاعة، وعن ابن السائب: لا يعطون زكاة أموالهم. قال: كانوا يحجون ويعتمرون ولا يزكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت