الصفحة 736 من 1087

والتحقيق أن الآية تتناول كل ما يتزكى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة. كقوله: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} [النازعات: 18] ، وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] ، والصدقة المفروضة لم تكن فرضت عند نزولها.

فإن قيل: {يؤتي} فعل متعد.

قيل: هذا كقوله: {ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا} [الأحزاب: 14] ، وتقدم قبلها أن / الرسول دعاهم، وهو طلب منه، فكان هذا اللفظ متضمنًا قيام الحجة عليهم بالرسل، والرسل إنما يدعونهم لما تزكو به أنفسهم.

ومما يليق: أن الزكاة تستلزم الطهارة؛ لأن معناها معنى الطهارة. قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} من الشر {وَتُزَكِّيهِمْ} [التوبة: 103] بالخير قال صلى الله عليه وسلم: (اللَّهم طهرني بالماء والبرد والثلج) كان يدعو به في الاستفتاح وفي الاعتدال من الركوع، والغسل.

فهذه الأمور توجب تبريد المغسول بها، و [البرد] يعطي قوة وصلابة، ومايسر يوصف بالبرد وقرة العين؛ ولهذا كان دمع السرور باردًا، ودمع الحزن حارًا؛ لأن مايسوء النفس يوجب حزنها وغمها، وما يسرها يوجب فرحها وسرورها وذلك مما يبرد الباطن.

فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أن يغسل الذنوب على وجه يبرد القلوب أعظم برد يكون بما فيه من الفرح والسرور الذي أزال عنه ما يسوء النفس من الذنوب.

وقوله: بالثلج والبرد والماء البارد: تمثيل بما فيه من هذا الجنس، وإلا فنفس الذنوب لا تغسل بذلك، كما يقال: أذقنا برد عفوك، وحلاوة مغفرتك. ولما قضى أبو قتادة دين المدين قال صلى الله عليه وسلم: (الآن / برّدت جلدته) ، ويقال: برد اليقين، وحرارة الشك، ويقال: هذا الأمر يثلج له الصدر، إذا كان حقًا يعرفه القلب ويفرح به، حتى يصير في مثل برد الثلج، ومرض النفس: إما شبهة وإما شهوة أو غضب، والثلاثة توجب السخونة، ويقال لمن نال مطلوبه: برد قلبه، فإن الطالب فيه حرارة الطلب.

وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} : دليل على أن عمل الحسنات يطهر النفس ويزكيها من الذنوب السالفة، فإنه قاله بعد قوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا} الآية [التوبة: 102] . فالتوبة والعمل الصالح يحصل بهما التطهير والتزكية ولهذا قال في سياق قوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا} الآيات [النور: 30] {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ} الآية [النور: 31] . فأمرهم جميعًا بالتوبة في سياق ما ذكره؛ لأنه لا يسلم أحد من هذا الجنس. كما في الصحيح: (إن اللّه كتب على ابن آدم حظه من الزنا) الحديث. وكذلك في الصحيح: إن قوله: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] نزلت بسبب رجل نال من امرأة كل شيء إلا الجماع، ثم ندم فنزلت.

ويحتاج المسلم في ذلك إلى أن يخاف اللّه، وينهى النفس عن الهوى، ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه، بل على اتباعه والعمل به، فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها كان نهيه عبادة للّه، وعملًا صالحًا، وثبت عنه أنه قال: (المجاهد من جاهد نفسه في ذات اللّه) ، فيؤمر بجهادها / كما يؤمر بجهاد من يأمر بالمعاصي ويدعو إليها، وهو إلي جهاد نفسه أحوج، فإن هذا فرض عين وذاك فرض كفاية، والصبر في هذا من أفضل الأعمال، فإن هذا الجهاد حقيقة ذلك الجهاد، فمن صبر عليه صبر على ذلك الجهاد. كما قال: (والمهاجر من هجر السيئات) .

ثم هذا لا يكون محمودًا فيه، إلا إذا غلب، بخلاف الأول فإنه من {فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74] ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة. . .) إلخ؛ وذلك لأن اللّه أمر الإنسان أن ينهي النفس عن الهوى، وأن يخاف مقام ربه، فحصل له من الإيمان ما يعينه على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت