فهرس الكتاب
الجهاد، فإذا غلب كان لضعف إيمانه، فيكون مفرطًا بترك المأمور، بخلاف العدو الكافر فإنه قد يكون بدنه أقوى.
فالذنوب إنما تقع إذا كانت النفس غير ممتثلة لما أمرت به، ومع امتثال المأمور لا تفعل المحظور، فإنهما ضدان. قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ} الآية [يوسف: 24] . وقال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42، الإسراء: 65] فعباد اللّه المخلصون لا يغويهم الشيطان، والغي خلاف الرشد، وهو اتباع الهوى، فمن مالت نفسه إلى محرم، فليأت بعبادة اللّه كما أمر اللّه مخلصًا له الدين، فإن ذلك يصرف عنه السوء والفحشاء. . . . خشية ومحبة، والعبادة له / وحده، وهذا يمنع من السيئات.
فإذا كان تائبًا، فإن كان ناقصًا، فوقعت السيئات من صاحبه كان ماحيا لها بعد الوقوع، فهو كالترياق الذي يدفع أثر السم، ويرفعه بعد حصوله، وكالغذاء من الطعام والشراب، وكالاستمتاع بالحلال الذي يمنع النفس عن طلب الحرام، فإذا حصل له طلب إزالته، وكالعلم الذي يمنع من الشك، ويرفعه بعد وقوعه، وكالطب الذي يحفظ الصحة ويدفع المرض، وكذلك ما في القلب من الإيمان يحفظ بأشباهه مما يقوم به.
وإذا حصل منه مرض من الشبهات والشهوات أزيل بهذه، ولا يحصل المرض إلا لنقص أسباب الصحة، كذلك القلب لا يمرض إلا لنقص إيمانه. وكذلك الإيمان والكفران متضادان، فكل ضدين: فأحدهما يمنع الآخر تارة، ويرفعه أخرى، كالسواد والبياض. . . حصل موضعه ويرفعه إذا كان حاصلًا، كذلك الحسنات والسيئات والإحباط. . . والمعتزلة إن الكبيرة تحبط الحسنات حتى الإيمان، وإن من مات عليها لم يكن. . . الجبائي وابنه بالموازنة. لكن قالوا: من رجحت سيئاته خلد في النار، والموازنة بلا تخليد قول. . . الإحباط ما أجمع عليه وهو حبوط الحسنات كلها بالكفر كما قال: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} الآية [البقرة: 217] ، وقوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} الآية [المائدة: 5] ، وقال: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] ، وقال: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} الآية [الزمر: 65] .
وما ادعته المعتزلة مخالف لأقوال السلف، فإنه سبحانه ذكر حد الزاني وغيره، ولم يجعلهم كفارًا حابطي الأعمال، ولا أمر بقتلهم كما أمر بقتل المرتدين، والمنافقون لم يكونوا يظهرون كفرهم. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة على الغال، وعلى قاتل نفسه، ولو كانوا كفارًا ومنافقين لم تجز الصلاة عليهم. فعلم أنهم لم يحبط إيمانهم كله. وقال عمن شرب الخمر: (لا تلعنه فإنه يحب اللّه ورسوله) وذلك الحب من أعظم شعب الإيمان. فعلم أن إدمانه لا يذهب الشعب كلها، وثبت من وجوه كثيرة: (يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ولو حبط لم يكن في قلوبهم شيء منه. وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} الآية [فاطر: 32] . فجعل من المصطفين.
فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات، فهل تحبط بقدرها وهل يحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر؟ فيه قولان للمنتسبين إلى السنة. منهم من ينكره، ومنهم من يثبته، كما دلت عليه النصوص، مثل قوله: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} الآية [البقرة: 264] . دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة، وضرب مثله بالمرائي، وقالت عائشة: ابلغي زيدًا أن جهاده بطل. الحديث.
/وأما قوله: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} [الحجرات: 2] ، وحديث صلاة العصر ففي ذلك نزاع. وقال تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] قال الحسن: بالمعاصي والكبائر، وعن عطاء: بالشرك والنفاق، وعن ابن السائب: بالرياء والسمعة، وعن مقاتل: بالمن. وذلك أن قومًا منوا بإسلامهم، فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصي والكبائر تحبط الأعمال.
فإن قيل: لم يرد إلا إبطالها بالكفر.