فهرس الكتاب
قيل: ذلك منهي عنه في نفسه، وموجب للخلود الدائم، فالنهي عنه لا يعبر عنه بهذا، بل يذكره على وجه التغليظ. كقوله: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} [المائدة: 54] ونحوها. واللّه سبحانه في هذه وفي آية المن سماها إبطالا، ولم يسمه إحباطًا؛ ولهذا ذكر بعدها الكفر بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} الآية [محمد: 34] .
فإن قيل: المراد إذا دخلتم فيها فأتموها، وبها احتج من قال: يلزم التطوع بالشروع فيه.
قيل: لو قدر أن الآية تدل على أنه منهي عن إبطال بعض العمل، فإبطاله كله أولى، بدخوله فيها فكيف وذلك قبل فراغه لا يسمى صلاة ولا صومًا؟!
ثم يقال: الإبطال يوجد قبل الفراغ أو بعده، وما ذكروه أمر بالإتمام، والإبطال هو إبطال الثواب، ولا نسلم أن من لم يتم العبادة يبطل جميع ثوابه، بل يقال: إنه يثاب على ما فعل من ذلك. وفي الصحيح حديث المفلس (الذي يأتي بحسنات أمثال الجبال) .
وَسُئلَ شَيْخُ الإسلام ـ رَحمَهُ اللَّهُ ـ عما ذكر الأستاذ القشيري في (باب الرضا) عن الشيخ أبي سليمان أنه قال: الرضا ألاّ يسأل اللّه الجنة، ولا يستعيذ من النار، فهل هذا الكلام صحيح؟
فأجاب:
الحمد للّه رب العالمين، الكلام على هذا القول من وجهين:
أحدهما: من جهة ثبوته عن الشيخ.
والثاني: من جهة صحته في نفسه وفساده.
أما المقام الأول: فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم لم يذكر هذا عن الشيخ أبي سليمان بإسناد، وإنما ذكره مرسلًا عنه، وما يذكره أبو القاسم في رسالته عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والمشائخ وغيرهم، تارة يذكره بإسناد، وتارة يذكره مرسلًا، وكثيرًا ما يقول: وقيل كذا ثم الذي يذكره بإسناد تارة يكون إسناده / صحيحًا، وتارة يكون ضعيفًا، بل موضوعًا. وما يذكره مرسلًا، ومحذوف القائل أولى، وهذا كما يوجد ذلك في مصنفات الفقهاء، فإن فيها من الأحاديث والآثار ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو موضوع.
فالموجود في كتب الرقائق والتصوف من الآثار المنقولة، فيها الصحيح، وفيها الضعيف، وفيها الموضوع. وهذا الأمر متفق عليه بين جميع المسلمين لا يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا، بل نفس الكتب المصنفة في [التفسير] فيها هذا وهذا، مع أن أهل الحديث أقرب إلى معرفة المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم؟!
والمصنفون قد يكونون أئمة في الفقه أو التصوف أو الحديث، ويروون هذا تارة؛ لأنهم لم يعلموا أنه كذب، وهو الغالب على أهل الدين، فإنهم لا يحتجون بما يعلمون أنه كذب، وتارة يذكرونه وإن علموا أنه كذب؛ إذ قصدهم رواية ما روي في ذلك الباب، ورواية
الأحاديث المكذوبة مع بيان كونها كذبًا جائز. وأما روايتها مع الإمساك عن ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من حدث عني حديثًا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) ـ. وقد فعل كثير من العلماء / متأولين أنهم لم يكذبوا، وإنما نقلوا ما رواه غيرهم وهذا يسهل إذ رووه لتعريف أنه روى؛ لا لأجل العمل به ولا الاعتماد عليه.
والمقصود هنا أن ما يوجد في الرسالة وأمثالها: من كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من السلف فيه الصحيح والضعيف والموضوع. فالصحيح: الذي قامت الدلالة على صدقه، والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبه، والضعيف الذي رواه من لم