فهرس الكتاب
ومنا رجال يتطيرون. قال: (ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدهم) . قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: (كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك) .
فإذا كان ما هو من أجزاء النبوة ومن أخبار الملائكة ما قد يتعمد فيه الكذب الكثير، فكيف بما هو في نفسه مضطرب لا يستقر على أصل؟ فلهذا تجد عامة من في دينه فساد يدخل في الأكاذيب الكونية، مثل أهل الاتحاد، فإن ابن عربي ـ في كتاب [عنقاء مغرب] وغيره ـ أخبر بمستقبلات كثيرة، عامتها كذب، وكذلك ابن سبعين، وكذلك الذين استخرجوا مدة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل من حروف المعجم الذي ورثوه من اليهود، ومن حركات الكواكب الذي ورثوه من الصابئة، كما فعل أبو نصر الكندي، وغيره من الفلاسفة، وكما فعل بعض من تكلم في تفسير القرآن من أصحاب الرازي، ومن تكلم في تأويل وقائع النساك من المائلين إلى التشيع.
وقد رأيت من أتباع هؤلاء طوائف يدعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة، وخاطبت في ذلك طوائف منهم، وكنت أحلف لهم أن هذا كذب مفترى، وأنه لا يجري من هذه الأمور شيء، وطلبت مباهلة بعضهم؛ لأن ذلك كان متعلقًا بأصول الدين، وكانوا من الاتحادية الذين يطول وصف دعاويهم.
فإن شيخهم الذي هو عارف وقته وزاهده عندهم، كانوا يزعمون أنه هو المسيح الذي ينزل، وأن معنى ذلك نزول روحانية عيسى ـ عليه السلام ـ وأن أمه اسمها مريم، وأنه يقوم بجمع الملل الثلاث، وأنه يظهر مظهرًا أكمل من مظهر محمد وغيره من المرسلين. ولهم مقالات من أعظم المنكرات يطول ذكرها ووصفها.
ثم إن من عجيب الأمر، أن هؤلاء المتكلمين المدعين لحقائق الأمور العلمية والدينية المخالفين للسنة والجماعة يحتج كل منهم بما يقع له من حديث موضوع، أو مجمل لا يفهم معناه، وكلما وجد أثرًا فيه إجمال نزله على رأيه، فيحتج بعضهم بالمكذوب، مثل المكذوب المنسوب إلى عمر: كنت كالزنجي، ومثل ما يروونه من [سر المعراج] ، وما يروونه من أن أهل الصُّفَّة - [أهل الصُّفَّة: هم فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع مُظَلَّل في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يسكنونه. -] سمعوا المناجاة من حيث لا يشعر الرسول، فلما نزل الرسول أخبروه، فقال: (من أين سمعتم؟) فقالوا: كنا نسمع الخطاب.
حتى إني لما بينت لطائفة ـ تمشيخوا وصاروا قدوة للناس ـ أن هذا كذب ما خلقه الله قط. قلت: ويبين لك ذلك أن المعراج كان بمكة بنص القرآن وبإجماع المسلمين، والصُّفَّة إنما كانت بالمدينة، فمن أين كان بمكة أهل صُفَّة؟
وكذلك احتجاجهم بأن أهل الصُفَّة قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع المشركين لما انتصروا، وزعموا أنهم مع الله؛ ليحتجوا بذلك على متابعة الواقع، سواء كان طاعة لله أو معصية؛ وليجعلوا حكم دينه هو ما كان، كما قال الذين أشركوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} [الأنعام: من الآية148] [الأنعام: 148] ، وأمثال هذه الموضوعات كثيرة.
وأما المجملات، فمثل احتجاجهم بنهي بعض الصحابة عن ذكر بعض خفي العلم، كقول على ـ رضي الله عنه ـ: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟ وقول عبد الله بن مسعود: ما من رجل يحدث قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، وقول عبد الله بن عباس في تفسير الآيات: ما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت، وكفرك بها تكذيبك بها.