الصفحة 84 من 1087

وهذه الآثار حق، لكن ينزل كل منهم ذاك الذي لم يحدث به على ما يدعيه هو من الأسرار والحقائق، التي إذا كشفت وجدت من الباطل والكفر والنفاق، حتى إن أبا حامد الغزالي في [منهاج القاصدين] وغيره، هو وأمثاله تمثل بما يروى عن علي بن الحسين أنه قال:

فإذا كانت هذه طرق هؤلاء الذين يدعون من التحقيق وعلوم الأسرار ما خرجوا به عن السنة والجماعة، وزعموا أن تلك العلوم الدينية أو الكونية مختصة بهم، فآمنوا بمجملها ومتشابهها، وأنهم منحوا من حقائق العبادات وخالص الديانات ما لم يمنح الصدر الأول حفاظ الإسلام وبدور الملة، ولم يتجرؤوا عليها برد وتكذيب ـ مع ظهور الباطل فيها تارة، وخفائه أخرى ـ فمن المعلوم أن العقل والدين يقتضيان أن جانب النبوة والرسالة أحق بكل تحقيق وعلم ومعرفة، وإحاطة بأسرار الأمور وبواطنها.

هذا لا ينازع فيه مؤمن، ونحن الآن في مخاطبة من في قلبه إيمان.

وإذا كان الأمر كذلك فأعلم الناس بذلك أخصهم بالرسول، وأعلمهم بأقواله، وأفعاله، وحركاته، وسكناته، ومدخله، ومخرجه، وباطنه، وظاهره، وأعلمهم بأصحابه وسيرته وأيامه، وأعظمهم بحثًا عن ذلك وعن نقلته، وأعظمهم تدينا به واتباعًا له واقتداء به، وهؤلاء هم أهل السنة والحديث؛ حفظًا له، ومعرفة بصحيحه وسقيمه، وفقها فيه وفهما يؤتيه الله إياه في معانيه، وإيمانًا وتصديقًا، وطاعة وانقيادًا واقتداء واتباعًا، مع ما يقترن بذلك من قوة عقلهم وقياسهم وتمييزهم، وعظيم مكاشفاتهم ومخاطباتهم، فإنهم أسَدُّ الناس نظرًا وقياسًا ورأيًا، وأصدق الناس رؤيا وكشفًا.

أفلا يعلم من له أدنى عقل ودين، أن هؤلاء أحق بالصدق والعلم والإيمان والتحقيق ممن يخالفهم؟ وأن عندهم من العلوم ما ينكرها الجاهل والمبتدع؟ وأن الذي عندهم هو الحق المبين؟ وأن الجاهل بأمرهم والمخالف لهم هو الذي معه من الحشو ما معه، ومن الضلال كذلك؟ وهذا باب يطول شرحه، فإن النفوس لها من الأقوال والأفعال ما لا يحصره إلا ذو الجلال.

والأقوال إخبارات، وإنشاءات؛ كالأمر، والنهي، فأحسن الحديث وأصدقه كتاب الله، خبره أصدق الخبر، وبيانه أوضح البيان، وأمره أحكم الأمر: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية: 6] ، وكل من اتبع كلامًا أو حديثًا ـ مما يقال: إنه يلهمه صاحبه، ويوحى إليه، أو إنه ينشئه ويحدثه مما يعارض به القرآن ـ فهو من أعظم الظالمين ظلمًا.

ولهذا لما ذكر الله ـ سبحانه ـ قول الذين ما قدروا الله حق قدره، حيث أنكروا الإنزال على البشر، ذكر المتشبهين به المدعين لمماثلته من الأقسام الثلاثة، فإن المماثل له إما أن يقول: إن الله أوحى إلى، أو يقول: أوحي إلى، وألقى إلى، وقيل لي، ولا يسمى القائل أو يضيف ذلك إلى نفسه، ويذكر أنه هو المنشئ له.

ووجه الحصر: أنه إما أن يحذف الفاعل أو يذكره، وإذا ذكره فإما أن يجعله من قول الله، أو من قول نفسه. فإنه إذا جعله من كلام الشياطين لم يقبل منه، وما جعله من كلام الملائكة فهو داخل فيما يضيفه إلى الله، وفيما حذف فاعله، فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ} [الأنعام: 93]

وتدبر كيف جعل الأولين في حيز الذي جعله وحيًا من الله ولم يسم الموحي، فإنهما من جنس واحد في ادعاء جنس الإنباء، وجعل الآخر في حيز الذي ادعى أن يأتي بمثله؛ ولهذا قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} {الأنعام: من الآية144} ، ثم قال: {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ} ، فالمفترى للكذب والقائل: {أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} من جملة الاسم الأول، وقد قرن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت