الصفحة 85 من 1087

به الاسم الآخر، فهؤلاء الثلاثة المدعون لشبه النبوة. وقد تقدم قبلهم المكذب للنبوة. فهذا يعم جميع أصول الكفر التي هي تكذيب الرسل أو مضاهاتهم، كمسيلمة الكذاب وأمثاله.

وهذه هي أصول البدع التي نردها نحن في هذا المقام؛ لأن المخالف للسنة يرد بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يعارض قول الرسول بما يجعله نظيرًا له، من رأى أو كشف أو نحو ذلك.

فقد تبين أن الذين يسمون هؤلاء وأئمتهم حشوية، هم أحق بكل وصف مذموم يذكرونه، وأئمة هؤلاء أحق بكل علم نافع وتحقيق، وكشف حقائق واختصاص بعلوم لم يقف عليها هؤلاء الجهال، المنكرون عليهم، المكذبون لله ورسوله.

فإنَّ نَبْزَهُم [النَّبْز: اللَّقَب] بالحشوية: إن كان لأنهم يروون الأحاديث بلا تمييز، فالمخالفون لهم أعظم الناس قولًا لحشو الآراء والكلام الذي لا تعرف صحته، بل يعلم بطلانه، وإن كان لأن فيهم عامة لا يميزون، فما من فرقة من تلك الفرق إلا ومن أتباعها من أجهل الخلق وأكفرهم، وعوام هؤلاء هم عُمَّار المساجد بالصلوات، وأهل الذكر والدعوات، وحجاج البيت العتيق، والمجاهدون في سبيل الله، وأهل الصدق والأمانة، وكل خير في العالم. فقد تبين لك أنهم أحق بوجوه الذم، وأن هؤلاء أبعد عنها، وأن الواجب على الخلق أن يرجعوا إليهم، فيما اختصهم الله به من الوراثة النبوية التي لا توجد إلا عندهم.

وأيضًا، فينبغي النظر في الموسومين بهذا الاسم وفي الواسمين لهم به: أيهما أحق؟ وقد علم أن هذا الاسم مما اشتهر عن النفاة ممن هم مظنة الزندقة، كما ذكر العلماء ـ كأبي حاتم وغيره ـ أن علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث حشوية.

ونحن نتكلم بالأسماء التي لا نزاع فيها، مثل: لفظ [الإثبات، والنفي] فنقول:

من المعلوم أن هذا من تلقيب بعض الناس لأهل الحديث الذين يقرونه على ظاهره، فكل من كان عنه أبعد كان أعظم ذمًا بذلك؛ كالقرامطة، ثم الفلاسفة، ثم المعتزلة، وهم يذمون بذلك المتكلمة الصفاتية من الكلابية والكرامية، والأشعرية، والفقهاء، والصوفية وغيرهم، فكل من اتبع النصوص وأقرها سموه بذلك، ومن قال بالصفات العقلية مثل: العلم والقدرة، دون الخبرية، ونحو ذلك، سمى مثبتة الصفات الخبرية حشوية، كما يفعل أبو المعالي الجويني، وأبو حامد الغزالي ونحوهما.

ولطريقة أبي المعالي كان أبو محمد يتبعه في فقهه وكلامه، لكن أبو محمد كان أعلم بالحديث وأتبع له من أبي المعالي وبمذاهب الفقهاء. وأبو المعالي أكثر اتباعًا للكلام، وهما في العربية متقاربان.

وهؤلاء يعيبون منازعهم، إما لجمعه حشو الحديث من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه، أو لكون اتباع الحديث في مسائل الأصول من مذهب الحشو؛ لأنها مسائل علمية، والحديث لا يفيد ذلك، لأن اتباع النصوص مطلقًا في المباحث الأصولية الكلامية حشو؛ لأن النصوص لا تفي بذلك؛ فالأمر راجع إلى أحد أمرين: إما ريب في الإسناد أو في المتن، إما لأنهم يضيفون إلى الرسول ما لم يعلم أنه قاله؛ كأخبار الآحاد، ويجعلون مقتضاها العلم، وإما لأنهم يجعلون ما فهموه من اللفظ معلومًا وليس هو بمعلوم، لما في الأدلة اللفظية من الاحتمال.

ولا ريب أن هذا عمدة كل زنديق ومنافق، يبطل العلم بما بعث الله به رسوله، تارة يقول: لا نعلم أنهم قالوا ذلك، وتارة يقول: لا نعلم ما أرادوا بهذا القول. ومتى انتفى العلم بقولهم أو بمعناه، لم يستفد من جهتهم علم، فيتمكن بعد ذلك أن يقول ما يقول من المقالات، وقد أمن على نفسه أن يعارض بآثار الأنبياء؛ لأنه قد وكل ثغرها بذينك الدامحين الدافعين لجنود الرسول عنه، الطاعنين لمن احتج بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت