الصفحة 86 من 1087

وهذا القدر بعينه هو عين الطعن في نفس النبوة، وإن كان يقر بتعظيمهم وكمالهم إقرار من لا يتلقى من جهتهم علمًا، فيكون الرسول عنده بمنزلة خليفة يعطي السِّكَّة [السِّكَّة: حديدة منقوشة يضرب عليها الدراهم] والخطبة رسمًا ولفظًا، كتابة وقولًا، من غير أن يكون له أمر أو نهي مطاع. فله صورة الإمامة بما جعل له من السكة والخطبة، وليس له حقيقتها.

وهذا القدر ـ وإن استجازه كثير من الملوك ـ لعجز بعض الخلفاء عن القيام بواجبات الإمارة من الجهاد والسياسة، كما يفعل ذلك كثير من نواب الولاة لضعف مستنيبه وعجزه فيتركب من تقدم ذي المنصب والبيت وقوة نائبه صلاح الأمر، أو فعل ذلك لهوى ورغبة في الرئاسة ولطائفته، دون من هو أحق بذلك منه، وسلك مسلك المتغلبين بالعدوان ـ فمن المعلوم أن المؤمن بالله ورسوله لا يستجيز أن يقول في الرسالة: إنها عاجزة عن تحقيق العلم وبيانه، حتى يكون الإقرار بها مع تحقيق العلم الإلهي من غيرها موجبًا لصلاح الدين، ولا يستجيز أن يتعدى عليها بالتقدم بين يدي الله ورسوله، ويقدم علمه وقوله على علم الرسول وقوله، ولا يستجيز أن يسلط عليها التأويلات العقلية، ويدعى أن ذلك من كمال الدين، وأن الدين لا يكون كاملًا إلا بذلك.

وأحسن أحواله: أن يدعي أن الرسول كان عالمًا بأن ما أخبر به له تأويلات وتبيان، غير ما يدل عليه ظاهر قوله ومفهومه، وأنه ما ترك ذلك إلا لأنه ما كان يمكنه البيان بين أولئك الأعراب ونحوهم، وأنه وكل ذلك إلى عقول المتأخرين، وهذا هو الواقع منهم.

فإن المتفلسفة تقول: إن الرسل لم يتمكنوا من بيان الحقائق لأن إظهارها يفسد الناس، ولا تحتمل عقولهم ذلك، ثم قد يقولون: إنهم عرفوها. وقد يقول بعضهم: لم يعرفوها، أو أنا أعرف بها منهم، ثم يبينونها هم بالطرق القياسية الموجودة عندهم. ولم يعقلوا أنه إن كان العلم بها ممكنا فهو ممكن لهم، كما يدعون أنه ممكن لهم، وإلا فلا سبيل لهم إلى معرفتها بإقرارهم، وكذلك التعبير وبيان العلم بالخطاب والكتاب إن لم يكن ممكنًا فلا يمكنكم ذلك وأنتم تتكلمون وتكتبون علمكم في الكتب. وإن كان ذلك ممكنًا فلا يصح قولكم: لم يمكن الرسل ذلك.

وإن قلتم: يمكن الخطاب بها مع خاصة الناس دون عامتهم ـ وهذا قولهم ـ فمن المعلوم أن علم الرسل يكون عند خاصتهم كما يكون علمكم عند خاصتكم. ومن المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوم، كان أحق بالاختصاص به. ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة وأخصها بعلم الرسول، وعلم خاصته مثل: الخلفاء الراشدين وسائر العشرة، ومثل: أبي بن كعب، وعبد الله ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، ومثل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة، وعباد بن بشر، وسالم مولي أبي حذيفة، وغير هؤلاء ممن كان أخص الناس بالرسول، وأعلمهم بباطن أموره وأتبعهم لذلك.

فعلماء الحديث أعلم الناس بهؤلاء وببواطن أمورهم، وأتبعهم لذلك، فيكون عندهم العلم: علم خاصة الرسول وبطانته، كما أن خواص الفلاسفة يعلمون علم أئمتهم، وخواص المتكلمين يعلمون علم أئمتهم، وخواص القرامطة والباطنية يعلمون علم أئمتهم، وكذلك أئمة الإسلام مثل أئمة العلماء. فإن خاصة كل إمام أعلم بباطن أموره، مثل: مالك بن أنس، فإن ابن القاسم لما كان أخص الناس به وأعلمهم بباطن أمره اعتمد أتباعه على روايته، حتى إنه تؤخذ عنه مسائل السر التي رواها ابن أبي الغَمْر، وإن طعن بعض الناس فيها، وكذلك أبو حنيفة، فأبو يوسف، ومحمد، وزُفَر أعلم الناس به، وكذلك غيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت