الرتبة، بل لعد الشيء بعيدًا غير مناسب لما عطف عليه كما تقول: تُسيءُ إليَّ ثم ترجو إحساني. وكان ذلك، لتنزيل البعد المعنوي منزلة البعد الزماني [1] .
ثم قال رادعًا زاجرًا، قاطعًا رجاء مَن طمع في طلب المزيد مع كفره: {كَلاَّ} [2] ، أي: (( انزَجِر وارتدع، فليس الأمر على ما تتوهم ) ) [3] . ثم قال بعده معللًا ذلك، ومبينًا سببه، وهو الكفر: {إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا} [4] . فقد وقع هذا التعبير (( استئنافًا بيانيًّا لتعليل ما قبله، كأنه قيل: لِمَ زجر عن طلب المزيد، وما وجه عدم لياقته؟ فقيل: إنه كان معاندًا لآيات المنعم، وهي دلائل توحيده، أو الآيات القرآنية، حيث قال فيها ما قال. والمعاندة تُناسبُ الإزالة وتمنع من الزيادة ) ) [5] .
ونحو هذا قوله تعالى: {أَيَطْمَعُ كُلّ امْرِئٍ مّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنّةَ نَعِيمٍ كَلاّ إِنّا خَلَقْنَاهُم مّمّا يَعْلَمُونَ} [6] .
فالردع وقع بالحرف (كَلاّ) من المتكلم ذاته، لسياق طلبي ورد على جهة الإنكار. إذ هي ردع عن طمعهم في دخول الجنة كحال المؤمنين [7] . وقد عُلِّل [8] الردع بتعبير مصدَّرٍ بـ (إنَّ) التوكيدية، في قوله: {كَلاّ إِنّا خَلَقْنَاهُم مّمّا يَعْلَمُونَ} ؛ إذ هو (( ردع عن الطمع معلل بإنكارهم البعث من حيث إنَّ ذكر دليله إنما يكون مع المنكر، فأقيم علَّة العلَّة مقام العلة؛ مبالغة لما حكى عنهم طمع دخول الجنة. ومن البديهي أن ينافي حال من لا يثبتها فكأنه قيل: إنه ينكر البعث فأنَّى يتجه طمعه؟ واحتج عليهم بخلقهم أولًا، وبقدرته سبحانه على خلق مثلهم ثانيًا، وفيه تهكم بهم وتنبيه على مكان مناقضتهم، فإن الاستهزاء بالساعة والطمع في دخول الجنة مما يتنافيان ) ) [9] .
وفضلًا عن هذه المعاني في التعبير، فإن فيه دلالة أيضًا على التذكير لهم بمهانة خلقهم، فقد خلقوا من مادة ضعيفة، هي النطفة [10] ، وهم يعلمون. غير أن تجبر الكفر والعصيان
(1) روح المعاني 29/ 122.
(2) سورة المدثر /16.
(3) مجمع البيان 10/ 387.
(4) سورة المدثر /16.
(5) روح المعاني 29/ 122.
(6) سورة المعارج /38 - 39.
(7) الكشاف 4/ 160، ومجمع البيان 10/ 358، وروح المعاني 29/ 65.
(8) دراسات لأسلوب القرآن الكريم 2/ 391.
(9) روح المعاني 29/ 65.
(10) إعراب القرآن للنحاس 5/ 33، صفوة البيان /749.