ويبدو أنها تحتمل معنى آخر غير ما ذكروا، وهي (( النفي المشدد المؤكد ) ) [1] ، فحسب بقرينة السياق، ولا سيما إذا وردت في سياق النبوة، كما سنرى في قصة موسى، عليه السلام.
وذكر الرضي [2] (ت 686 هـ) أن (كَلا) هنا بمعنى (حقًّا) . والراجح أنها للرد والردع لأولئك الذين لا يتدبرون القرآن وبيانه، لغلبة محبة الدنيا على الآخرة لديهم، ويؤيد ذلك أن التعبير الجوابي انتقل من الخصوص، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى العموم عن طريق الإضراب بـ (بل) ، فقوله: {بَلْ تُحِبُونَ العَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} فيه (( تعميم الخطاب للكل، كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل وجبلتم عليه تعجلون في كل شيء، ولذا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة، ويتضمن استعجالك، لأن عادة بني آدم الاستعجال ومحبة العاجلة ) ) [3] .
فجاء الجواب بالحرف (كَلاّ) ، لا على سبيل الغلظة والزجر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، بل على سبيل المبالغة [4] في الإرشاد.
فيمكن القول إن (كَلا) هنا وردت على سبيل الازدواجية في معناها فجاءت لأمرين: أحدهما: إرشاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحثه على الأناة وترك العجلة.
والآخر: الردع والزجر لمن غلبت عليهم محبة الدنيا وترك العمل للآخرة: وقد أوضحه التعبير بعد (كَلا) ؛ إذ انتقل الخطاب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى العامة. وَعُقِّبَ هذا بتعبير (( يتضمن تأكيد هذا الردع مما يشير إلى حسن عاقبة حب الآخرة وسوء مغبة العاجلة ) ) [5] ، وهو قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} [6] . فهو بيان [7] لحال الناس في الدار الآخرة.
ومن جوابات الردع المصدَّرة ب (كَلاَّ) ما وردَ مسبُوقًا بسياقٍ دالٍّ على الاستبعاد والاستنكار، ومتبوعًا بتعليل مبين للردع. وكل من التعبيرين صادر من متكلم واحد.
فقد قال عظم شأنه بعد تعديد نعمهِ على خلقه: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أزْيْدَ} [8] ؟ وهو (( استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه ) ) [9] . وقد وقع بـ (ثُمَّ) وهو واقع من دون إفادة التفاوت في
(1) هذا رأي استاذنا د. كاصد الزيدي.
(2) شرح الرضي 2/ 400، ينظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم 2/ 393.
(3) روح المعاني 29/ 142.
(4) الكشاف 4/ 192، وروح المعاني 29/ 142.
(5) روح المعاني 29/ 144.
(6) سورة القيامة /22.
(7) مجمع البيان 10/ 397.
(8) سورة المدثر /15.
(9) الكشاف 4/ 182، وروح المعاني 29/ 122.