الصفحة 130 من 342

). وهما من الصفات الجليلة التي يُوصَفُ بها سبحانه. فأين هي من الذين ألحقتم به شركاء [1] .

ومثل ذلك ما ورد الردع فيه مسبوقًا بطلب من المتكلم الرادع نفسه، فقال سبحانه ناهيًا رسوله - صلى الله عليه وسلم - في توجيه وتطمين بقوله {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ فَإِذَا قُرْأنَاهُ فَاتّبِعْ قُرْءَانَهُ ثُمّ إِنّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [2] . ثم قال سبحانه مرشدًا نبيَّهُ إلى ترك العجلة، ومُرغبًا له في الأناة [3] : {كَلاّ بَلْ تُحِبّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} [4] ، وفي (كلا) في هذا التعبير أقوال: أحدها أنه ردع [5] للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو بعيد، لأنه إنما تعجل في التلاوة حرصًا على عدم النسيان لا حبًا في الدنيا، وقيل: إنَّ (كلا) (( رد عليهم وعلى أقوالهم ) ) [6] ، لا ردًا ولا ردعًا للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمعنى: (( لا تتدبرون القرآن وما فيه من البيان ... فيختارون الدنيا على العقبى فيعملون للدنيا لا للآخرة ) ) [7] وهو أليق بالنبوة من الأول. وقيل: إن (كلا) هنا معناها: (( أن أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه. وقيل: أي(كلا) لا يصلون ولا يزكون يريد كفار مكة )) [8] . وكل هذا محتملٌ لا يُصادِمُ العقيدة الإسلامية في الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وذكر ابن هشام [9] أن معنى الزجر لا يظهر في هذه الآية. فكأنه لم يحمل (كلا) فيها على هذا المعنى، بل حمله على مجرد النفي الشديد، وهذا الرأي مسبوق به، إذ كان الكسائي وأبو حاتم السجستاني ومن وافقهما يريان (( أن معنى الردع والزجر ليس مستمرًا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيًا يصح عليه أن يوقف دونها ويبتدأ بها ثم اختلفوا في تعيين ذلك المعنى ) )فذهب بعضهم إلى أنها بمعنى (حقًّا) وبعضهم أنها بمعنى (ألا الاستفتاحية) وبعضهم أنها حرف جواب بمنزلة إي وَنَعَمْ، وحملوا عليها معنى {كَلاَّ وَالْقَمَرِ} [10] .

وقد رجح ابن هشام قول أبي حاتم في أنها ترد بمعنى (ألا الاستفتاحية) [11] .

(1) الكشاف 3/ 290.

(2) سورة القيامة /16 - 19.

(3) روح المعاني 29/ 142، وصفوة البيان /765.

(4) سورة القيامة /20 - 21.

(5) الكشاف 4/ 191 - 192.

(6) البحر المحيط 8/ 388.

(7) مجمع البيان 10/ 397.

(8) الجامع لأحكام القرآن 19/ 106 - 107.

(9) مغني اللبيب 1/ 188، وينظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم 2/ 393.

(10) سورة المدثر /32.

(11) مغني اللبيب 1/ 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت