لَكَاذِبُونَ [1] .
ويُلحظُ في التعبير أنه صُدِّر الردع فيه بالحرف (كَلاَّ) وأردفَ بما يحقق ما بعده ويؤكِّدُه. وقد ورد بتقديم المسند إليه في قوله: {هوَ قائِلُهَا} ، بقصد التوكيد والتقّوي أو للاختصاص أي: إنه قائلها وحده، فلا تُسمَعُ منه ولا يجاب إليها [2] .
ومن هذا اللون أيضًا ما كان جوابًا مصدرًا بـ (كَلا) و (بَلْ) الإضرابية بعده؛ لتقرير الحقيقة، بصيغة الأمر.
والطالب والمجيب واحد وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال عظم شأنه ملقنًا نبيَّهُ الكريم: {قُلْ أرُوني الَّذِينَ ألحَقْتُم بِه شُرَكَاءَ} [3] وهو طلب يُراد به بيان الخطأ وإحالة القياس بينه سبحانه وبين أصنامهم [4] ، والتعجيب من حال كفرهم وتوبيخهم لأنَّهُم إذا أشاروا إلى أصنامهم جوابًا لطلب الرسول، فإنَّهم سيُفْتَضَحُوْنَ بتلك الإشارة [5] .
فجاءهم الجواب من الرسول ذاته صاحب الطلب الملقن: {كَلاَّ} [6] ، أي: ارتدعوا عن المقال والزعم بالشرك [7] ، وعن هذا المذهب الذي كسد بإبطال المقايسة وإحالتها [8] . ثم أردف الردع بإضراب منبّهًا [9] فيه على تفاحش غلطهم، ومصلحًا مذهبهم بأوجز عبارة، منتقلًا في ذلك إلى أمر أهم [10] . بقوله {بَلْ هُوَ اللّهُ الْعَزِيزُ الْحْكِيمُ} [11] . وهو تعبير - على إيجازه - دالَّ على التفخيم والتعظيم، وعلى التنبيه أيضًا، بما تصدره من ضمير الشأن {هو} ، ثم تفسيره بعد ذلك، إذ (( الكلام إذا أضمر ثُمَّ فُسّر، كان أفخم له من أن يُذكر من غير تقدم إضمار ) ) [12] .
وفضلا عن ذلك فإن لفظ الجلالة {الله} دال على العموم والشمول، فلم يقل مثلًا: (ربي) المخصصة بالإضافة. وأورد معه اسمين من أسمائه سبحانه هما (العزيز) و (الحكيم
(1) سورة الأنعام /28.
(2) روح المعاني 18/ 64.
(3) سورة سبأ /27.
(4) الكشاف 3/ 289.
(5) مجمع البيان 8/ 390.
(6) سورة سبأ /27.
(7) صفوة البيان /545.
(8) الكشاف 3/ 289.
(9) الكشاف 3/ 289، ومجمع البيان 8/ 390.
(10) الكافية في النحو2/ 379.
(11) سورة سبأ /27.
(12) البلاغة والأسلوبية /251.