فالتعبير كما رآه هنا أبو الثناء الآلوسي [1] (( استئناف كالتعليل للجملة قبله، أو تحقيق وكشف لحقيقة الحال ) ).
ونحو هذا من جوابات الردع والزجر التي وردت جوابًا حرفيًا لسؤال، قوله تعالى فيما يكون من المحتظر الكافر إذا حضره الموت {حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [2] . وهو طلب موجه لله تعالى بلفظ الجمع يراد به الاسترحام، وكأن الكافر كرر طلب الرجعة، وألحَّ فيه، فكأنه قال: رب ارجعنِ ارجعنِ ارجعنِ [3] . وقد يكون ذلك من باب التعظيم للمخاطب، فمن (( سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، فيقال للرجل العظيم: انظروا في أمري ... إنما يقال هذا؛ لأن الرجل العظيم يقول: نحن فعلنا، فعلى هذا الابتداء خوطبوا في الجواب ) ) [4] .
وقد جاء جواب هذا الطلب المتكرر لا بالموافقة والإيجاب، بل بالردع والزجر والتكذيب، إذ قال سبحانه: {كَلاّ إِنّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [5] . فجبهه بذلك ولم يجبه إلى ما طلب ورجا من العودة إلى الدنيا والتقدير: {كَلاّ} لا ترد [6] . وقيل [7] : إن {كلاَّ} جواب لقوله {أعملُ صالحًا} ، أي: لست ممن يعمل صالحًا. وقيل [8] : إنها تحقيق لقوله {إِنّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} . وقد أردف الردع بتعبير مؤكد بـ (إنَّ) ، والمراد بـ (الكلمة) : طائفة من الكلام يقولها الكافر [9] ، نتيجة الموقف الرهيب الذي يكون فيه، فلا فائدة لها ولا معنى، لأنها (( كلمة الموقف الرهيب، لا كلمة الإخلاص المنيب، كلمة تقال في لحظة الضيق ليس لها في القلب من رصيد ) ) [10] ، ولذا رُدِعَ ولم يُغَث؛ لأن الذي فاه به (( قول لا عمل معه، ولو رُدَّ لما عمل صالحًا وكان يكذب في مقالته هذه ) ) [11] ، وقد بين سبحانه كذبهم بقوله: بَلْ بَدَا لَهُمْ مّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنّهُمْ
(1) روح المعاني 29/ 140.
(2) سورة المؤمنون /99 - 100.
(3) إعراب القرآن للنحاس 3/ 122، مجمع البيان 7/ 116، والتبيان في إعراب القرآن للعكبري 2/ 960.
(4) الصاحبي /353. ينظر المزهر 1/ 333.
(5) سورة المؤمنون /100.
(6) دراسات لأسلوب القرآن الكريم 2/ 389.
(7) نفسه 2/ 389.
(8) البحر المحيط 6/ 421. ينظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم 2/ 390.
(9) الكشاف 3/ 42، مجمع البيان 7/ 117.
(10) في ظلال القرآن 4/ 2480.
(11) تفسير القرآن العظيم 3/ 255.