الأمر الواجب، فيه (( طرد لهم وتهكم بهم ) ) [1] ؛ لأنهم حينما يرجعون لا يجدون [2] النور الذي يستضيئون به من ظلمات الصراط القاتم الذي يسيرون عليه.
وقد يرد التعبير الزاجر بصيغة النهي، كإخباره تعالى عن تخلي الشيطان عمن كان يغويه من الإنس في الدنيا، بقوله: {رَبّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلََكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} [3] .
وهذا الخبر إنما يراد به تنصل الشيطان من إغوائه لهذا الذي كان يغويه في الدنيا ممن هو من أهل النار، فجاء الجواب رادعًا مصدرًا بالنهي المراد به الزجر، بقوله تعالى: {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيّ وَقَدْ قَدّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ} [4] . وفيه تيئيس لهم وقطع للرجاء بنجاتهم، لأنه يقول لهم (( لا تطمعوا في الخلاص مما أنتم فيه بالمعاذير الباطلة ) ) [5] ، ولا تختصموا فما ينفعكم هذا الخصام؛ وقد (( أبطل عليهم حُجَتَّهُم ) ) [6] ؛ لأنه تعالى قدَّمَ في الدنيا بالوعيد بالعذاب في الآخرة [7] . فجاء موقع {بالوَعِيْدِ} (( حالًا، أي: قدمت إليكم هذا ملتبسًا بالوعيد مقترنًا به، أو قدمته إليكم مُوعدًا لكم به ) ) [8] .
ونحو هذا قوله تعالى: {يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاّ تَمُنّواْ عَلَيّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [9] . فجاء الجواب بالتلقين والنهي والكف عن فعل المنّ وهو: (( فقل لهم لا تعتدُّوا عليَّ إسلامكم، أي: حدثكم المسمى إسلامًا عندي لا إيمانًا، ثم قال: بل الله يعتدُّ عليكم بتوفيقه، حيث هداكم للإيمان على ما زعمتم وادّعيتم أنكم أُرشدتُم إليهِ ووُفقتُم له، إن صح زعمكم وصدقت دعواكم، إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه ) ) [10] .
فكَذَّبَ اللهُ سبحانه وتعالى ما زعموا بأسلوب النهي: {لا تَمُنَّوا} ، ملموح فيه معنى الردع والزجر لهم. أي: كفوا عن فعلكم وادعائكم، فالله تعالى هو صاحب المنة والنعمة على العباد.
(1) الكشاف 4/ 63.
(2) مجمع البيان 9/ 235.
(3) سورة ق/27.
(4) سورة ق /28.
(5) صفوة البيان /663.
(6) إعراب القرآن للنحاس 4/ 229.
(7) الكشاف 4/ 8، وتفسير الجلالين /690.
(8) الكشاف 4/ 9.
(9) سورة الحجرات /17.
(10) الكشاف 3/ 571.