الصفحة 142 من 342

وقد جرى هذا التعبير بأسلوب من المجانسة الصوتية بين ألفاظه: (يَمُنونَ) ، و (تَمُنُوا) ، و (يَمُنُّ) ، و (أسْلِموا) ، و (إسلامكم) ، و (عليك) ، و (عليكم) . وهذا يشعرنا بتأكيد المعنى والمراد من هذا القول، عن طريق هذا التجانس بين الأصوات من خلال تكرارها.

وأما قوله تعالى: {قَالَتِ الأعْرَابُ ءَامَنّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَاكِن قُولُوَاْ أَسْلَمْنَا وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [1] . فقد جاء الجواب فيه بالتلقين أيضًا وبالنفي بالأداة: (لم) ، وهو (( حرف جزم لنفي المضارع وقلبه ماضيًا ) ) [2] ، فقال تعالى مكذّبًا لهم دعواهم ودافعًا لما انتحلوه [3] : {قُل لَّمْ تُؤمِنُوا} . وقد أبدى الزمخشري هنا أيضًا ملمحًا بلاغيًّا نفسيًّا وجده في هذا التعبير، وهو أنه (( روعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن، حين لم يصرح بلفظه، فلم يقل: كَذَبتم، ووضع {لَمْ تُؤمِنوا} الذي هو نفي ما ادعوا إثباته موضعه ) ) [4] .

ثم استدرك التعبير القرآني بعده قائلا: {ولَاكن قُولوا أسْلَمْنَا} ، وهو من البلاغة بمكان، فكأنه تصحيح لخطأ ما ظنوه؛ لأن التعبير (( لو اقتصر على قوله {لَمْ تُؤمِنُوا} ، لكان فيه تنفير لهم، لكونهم ظنوا الإقرار بالشهادتين، من غير اعتقادهما إيمانًا. فأوجبت البلاغة أن يستدرك ما استدركه، ليعلمهم أن حقيقة الإيمان موافقة الجنان للسان بالتصديق ) ) [5] وأما الإسلام الذي هم فيه فهو قبول ما أتى به الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الظاهر [6] لا في القلب ويلحظ أن التعبير أخبر بقوله: {لَمْ تُؤمِنُوا} ، ولم يقل: (لا تقولوا آمنا) ، (( لاستهجان أن يُخاطبُوا بلفظ مؤداه النهي عن القول بالإيمان ) ) [7] .

ويلحظ أن التعبير الجوابي خصص الإيمان ووقته بقوله: {وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} . فهذا (( توقيت لما أمروا به أن يقولوا ... لأنه كلام واقع مع الحال من الضمير في {قُولُوا} ، وما في(لما) من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد )) [8] فجاء التعبير الجوابي تكذيبًا لدعواهم [9] في وقت قولهم، على غير أساليب التصريح؛ إذ اعتمد أسلوب التعريض [10] . (( ليفيد عدم المكافحة بنسبة الكذب ) ) [11] إليهم وتنفيرهم.

(1) سورة الحجرات /14.

(2) مغني اللبيب 1/ 277.

(3) الكشاف 3/ 570، وروح المعاني 26/ 167.

(4) الكشاف 3/ 570.

(5) تحرير التحبير 2/ 334. ينظر ضحى الإسلام، لأحمد أمين 3/ 318.

(6) الجامع لأحكام القرآن 16/ 348.

(7) الكشاف 3/ 570.

(8) الكشاف 3/ 570.

(9) المعاني الثانية في الأسلوب القرآني / 138.

(10) الكشاف 3/ 570.

(11) روح المعاني 26/ 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت