إن التعبير القرآني جميعه (( لا يرى التهاون في استعمال اللفظ، ولكنه يرى التدقيق فيه، ليدل على الحقيقة من غير لَبْس ولا تمويه ) ) [1] ، ومن ثم نهاهم عن القول بالإيمان لأنهم لم يكونوا ممتلكين له، وأمر بالقول بالإسلام، لأنه المدخل إلى الإيمان. وبين الإسلام والإيمان فارقٌ من جهةِ العمومِ والخُصُوصِ، لأن الإسلام الانقياد للعمل ظاهرًا، والإيمان تصديق القلب وإقرار باللسان وعمل [2] بالأركان. فالإيمان (( درجة أعلى وأخص من درجة الإسلام ) ) [3] ، فهما لا يستويان.
ومن هذا اللون من جوابات الردع، قوله تعالى مخبرًا عن موسى عليه السلام، عندما سأل الرؤية من ربه في الدنيا لما جاء لميقات ربه سبحانه؛ إذ {قَالَ رَبّ أَرِنِيَ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلََكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [4] . فقد ورد الجواب زاجرًا [5] ومنكرًا عليهم ما طلبوا بأسلوب النفي القاطع المؤبد، إذ قال تعالى: {لَنْ تَرانِي} ؛ (( قطعًا لطمع الرؤية ) ) [6] ، ومنبهًا بالكلمة الحاسمة الجازمة [7] على أن ذلك لا يكون أبدًا، فهو (( نفي للإراءة المطلوبة على أتم وجه ) ) [8] ، إذ إن (لن) هنا أفادت التأبيد [9] .
وقد قيل في (لن) إنها (( تنفي ما قرُب ولا يمتد معنى النفي فيها كامتداد معناها ) ) [10] . وليست كذلك هنا، فهي تفيد التأبيد. إذ جاء الجواب من الباري سبحانه بـ (لن) ، (( قطعًا لطمع الرؤية وإحالة لها بكونه أجابهُ بما يفيد الاستغراق والتأبيد ) ) [11] فهو نفي مبالغ فيه، لأن (لن) ترد (( لتأكيدِ ما تعطيه(لا) من نفي المستقبل )) [12] . واستدرك التعبير الجوابي القاطع للرؤية فقال سبحانه: {وَلَكِن انْظُر إلى الجَبَلِ} . و (لكن) ترد للاستدراك بعد النفي [13] .
(1) بلاغة الكلمة والجملة والجمل /48. وينظر من بلاغة القرآن /57 - 58.
(2) المفردات في غريب القرآن /31 (أمن) ، وضحى الإسلام 3/ 318.
(3) الألفاظ الإسلامية وتطور دلالتها حتى نهاية القرن الثالث الهجري/54.
(4) سورة الأعراف /143.
(5) الكشاف 2/ 112.
(6) الطراز 2/ 211.
(7) في ظلال القرآن 3/ 1369.
(8) روح المعاني 9/ 45.
(9) مجمع البيان 4/ 475، والإكليل /131.
(10) البرهان في علوم القرآن 4/ 387. وينظر التبيان في علم البيان /84.
(11) الطراز 2/ 211.
(12) الطراز 2/ 210. ومثله في الكشاف 4/ 292، والإكليل /131.
(13) المقتضب 1/ 12.