وهذا التعبير الاستدراكي جيء به (( لبيان أنه عليه السلام لا يطيق الرؤية ) ) [1] بقوله تعالى: {فَإِنِ اسْتَقَرّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} ، فقد علق عظم شأنه (( رؤيته باستقرار الجبل ... . وهي طريقة معروفة في استبعاد الشيء، لأنهم يعلقونه بما يعلم أنه لا يكون ) ) [2] . ففيه من التعجيز والتيئيس وقطع الرجاء في رؤية ربه سبحانه في الدنيا ما فيه، فهو أمر محال، بل هو في الآخرة كذلك، وقد تقدم أن الآيات التي يشعر ظاهرها بالرؤية في الآخرة مؤولة بالمجاز.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىَ هََذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [3] ، فقالوا ذلك جهلا وغفلة [4] ، فأراد سبحانه (( نهيهم عن الاستعجال وزجرهم ) ) [5] ، فبيّنَ شدة ما يقع لهم فيه ويحدث [6] ، بقوله: {لَوْ يَعْلَمُ الّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [7] .
فيلحظ أن التعبير الجوابي قد قدّم الوعيد بالعذاب، ثم أردفه بما يتعلق عن زمن حدوث الساعة، وهي أنها غير مؤقتة بوقت معين، بل تأتي {بَغْتَةً} هكذا ورد التعبير، ولم يقل (فجأة) ، إذ بينهما فرق دلالي من خلال الاستعمال القرآني، من حيث إن في البغتة عنصرًا دلاليًا إضافيًا على الفجأة، وهو العذاب والعقاب [8] . فهم لا (( يُمهلون لتوبة أو معذرة. وهو تهديد ووعيد ) ) [9] لهم.
ويلحظ أن الجواب بالردع ورد بأسلوب شرطي، مجرَّدًا من التلقين. والمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين. و {حِيْنَ} ظرف زمان منصوب بمضمر، والتقدير: حين {لاَ يَكُفّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النّارَ} يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وينكشف عنهم هذا الجهل العظيم [10] .
(1) روح المعاني 9/ 45.
(2) أمالي المرتضى 2/ 221، ومجمع البيان 4/ 475.
(3) سورة الأنبياء /38.
(4) صفوة البيان /416.
(5) الكشاف 2/ 572.
(6) صفوة البيان /416.
(7) سورة الأنبياء /39 - 40.
(8) الدلالة الإيحائية لطائفة من ألفاظ الزمان في القرآن الكريم، بحث للدكتور كاصد الزيدي منشور في مجلة الدراسات اللغوية المجلد الثاني - الرياض - المملكة العربية السعودية، 1422هـ/ 2001م ص ... .
(9) صفوة البيان /416.
(10) الكشاف 2/ 573.