الصفحة 174 من 342

النصارى ما كان إلا نصرانيًا )) [1] ، فوقع الردُّ على سبيل التقابل لقولتهم التي كشف عنها سياق الحال متمثلا بسبب النزول. وهو تقابل لفظي بالنقض والسلب، فجاء التعبير الجوابي المنفي مُبرِّئًا ومنزِّهًا له منهم؛ إذ هو بعيد عن الشرك، قريب من الإسلام، مائل وقاصد إليه [2] ، لا إلى اليهودية أو النصرانية؛ لأنهما (( صفتا ذم جرتا على فرقتين ضالتين ) ) [3] . فهما مع الإسلام لا يلتقيان؛ لأن (( الإسلام هو التوحيد المطلق بكل خصائصه، وكل مقتضياته، ومن ثم لا يلتقي مع لون من ألوان الشرك ) ) [4] .

ولذلك ورد قوله عظم شأنه: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [5] ، معرِّضًا بهم [6] . مقابلا لقولتهم ومناقضًا لها.

ومما مرَّ يمكن القول إن التقابل سمة فنية في التعبير القرآني، وأنه يقع بين الألفاظ المفردة في التركيب الواحد، غير أن هذا الفن البلاغي قد وقع في هذا اللون من الجوابات بين ألفاظ في تركيبين قد يردان متصلين في سياق واحد، أو منفصلين في سياقات متباعدة، وأحيانًا يرد الجواب مقابلا لسياق عُرِفَ من سبب النزول وهو ما يسمى (قرينة الحال) .

وإن أكثر ما وردت التعبيرات التقابلية هنا جوابات للمشركين واليهود وأهل الافتراء على الله تعالى ورسله، أو منهم لغيرهم على سبيل الكذب، إذ لم ترد جوابًا من الأصفياء أو لمؤمن تقي. وعلى ذلك فأبرز دلالة تلمح في الجوابات التقابلية هي دلالة التكذيب لمن خوطب أو وُجِّهَ له الجواب، وهي دلالة مؤكَّدة بورودها في سياق تقابلي لتعبير خبري أو إنشائي سابق للجواب. فضلا عن دلالةِ المبالغةِ التي تلمحُ في تعابير هذا اللونِ من الجواباتِ.

وهذهِ الجواباتُ كثيرًا ما تردُ مباشرة سريعة من غيرِ تصديرٍ بإحدى صيغِ القولِ، وقد ترد احيانًا مصدَّرة بـ (قُلْ) الأمريَّةِ التلقينيّة التي اختصت بالرَّسولِ محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلم) . وفي كلا النوعينِ يُلمَحُ الحسمُ في الرَّدِّ أو القطع في الجواب.

(1) مجمع البيان 2/ 456. وينظر تفسير القرآن العظيم 1/ 372، وفاتحة الكتاب /39.

(2) الكشاف 1/ 436، وتفسير القرآن العظيم 1/ 372.

(3) مجمع البيان 2/ 457.

(4) في ظلال القرآن 1/ 412.

(5) سورة آل عمران /67.

(6) روح المعاني 3/ 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت