الصفحة 173 من 342

ومن هذا الوادي، قوله عظم شأنه، رادًّا على اليهود ومكذِّبًا لهم. في قولتهم: إن الله جل وعلا خلق السموات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت [1] . فقال سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالآَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي

سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [2] ، فنفى بذلك التعب [3] عنه سبحانه.

ورد على اليهود (( ردًّا مباشرًا أولئك الذين جعلوا خلق الطبيعة يُتعبُ الإله ) ) [4] فأداهم التشبيه الذي عرفوا به إلى نسبة صفة من صفات الآدميين إليه. فورد الجواب على سبيل النقض لمقولتهم الكاذبة، حين نسبوا - جهلًا وكفرًا - التعب والإعياء إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.

ويلحظ في هذا التعبير الجوابي المتقابل بالنقيض لمقولة كفر وجهل، أنه ورد على جهة المبالغة أيضًا في النفي؛ إذ ورد النفي بالأداة (ما) دون (لا) ؛ لأن (ما) تأتي ردًا على دعوى أو زعم و ظن [5] . وهي (( مقيدة للنفي على أبلغ وجه وآكده ) ) [6] .

وقد قال سبحانه {ما مَسَّنَا} بلفظ المضي تقريرًا وتحقيقًا [7] ؛ لأنه (( يشعر بالانقطاع بخلاف المضارع ) ) [8] . ونوَّن (اللغوب) ؛ الذي هو التعب والإعياء والمشقة والنصب [9] ؛ احتقارًا لهم [10] .

ومن ذلك أيضًا، قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَاكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [11] . فقد جاء ردًّا وتكذيبًا [12] لليهود والنصارى، الذين (( اجتمعوا عند رسول الله فتنازعوا في إبراهيم، فقالت اليهود ما كان إبراهيم إلا يهوديًا، وقالت

(1) أسباب النزول للواحدي /266، والكشاف 4/ 12، والجامع لأحكام القرآن 17/ 24، ولباب التأويل في معاني التنزيل 4/ 191 وروح المعاني 26/ 192.

(2) سورة ق /38.

(3) تفسر الجلالين /691، ومعترك الأقران 2/ 222.

(4) الطبيعة في القرآن الكريم /165.

(5) الفروق في اللغة /308، ومعاني النحو 1/ 397.

(6) محاسن التأويل 5/ 1625.

(7) البرهان في علوم القرآن 3/ 372.

(8) البحر المحيط 1/ 58.

(9) مقاييس اللغة 5/ 257 (لغب) ، والجامع لأحكام القرآن 17/ 24، ومعترك الأقران 2/ 222.

(10) روح المعاني 26/ 192.

(11) سورة آل عمران /67.

(12) مجمع البيان 2/ 457.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت