الصفحة 172 من 342

وفضلًا عما تقدم من الجوابات التقابلية لسياقات إخبارية أو إنشائية مصرح بها في السياق. هناك جوابات ترد مقابلة لسياق عُرِفَ من سياقِ الحال الدال عليه سبب النزول، نحو قوله عظم شأنه في سورة الضحى، ردًّا على قول المشركين بعد فتور من الوحي عن النبي - صلى الله عليه وسلم: وَدَّعَ محمدًا ربُّهُ [1] . فأنزل تعالى: {والضُحَى وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [2] . أي وما قلاك [3] . بحذف الضمير، لدلالة ما قبله عليه، ولغاية معنوية هي (( تحاشي خطابه تعالى لحبيبه المصطفى. ما قلاك لما في القلى من الطرد والإبعاد وشدة البغض. أما التوديع فلا شيء فيه من ذلك. بل لعل الحس المعنوي فيه يؤذن بالفراقِ على كره، مع رجاء العودة ) ) [4] . فورد الجواب عن قولتهم مقابلا لها؛ إذ أقسم سبحانه على نقيض ما ادعوه وزعموه بضوء النهار وتألقه بعد ظلمة الليل، على ضوء الوحي وشروق نوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه [5] . فالأداة (ما) في قوله: {مَا وَدَّعَكَ} ، نفت ما قيل من توديع الوحي للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأثبتت نقيضه. وهي واقعة جوابًا لما أقسم به [6] .

وبذلك ورد الجواب بأسلوب قسمي جوابه منفي، وقد حدثت المطابقة بين (( ما أقسم به من نور النهار وظلام الليل عند سكونه وهدوء الأصوات، وبين ما أقسم عليه، وهو نور الوحي، الذي وافى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد انقطاعه واحتباسه عنه ) ) [7] .

والتقابل بين قولتهم وجوابها، تقابل بالضد والنقيض؛ لأنهم ادَّعوا الترك والبغض والتوديع المبالغ فيه، فالذي (( ودَّعك مفارقًا فقد بالغ في تركك ) ) [8] والذي قلاك فقد بغضك [9] ، فقابل ذلكَ ما ورد في هذه السورة التي نزل فيها (( هذا الفيض من الودِّ والحبِّ والرحمة والإيناس والقربى والأمل والرضا والطمأنينة واليقين ) ) [10] . فهو تقابل نقض وسلب بالألفاظ.

(1) معاني القرآن للفراء 3/ 273، وأسباب النزول للواحدي /301، والكشاف 4/ 263، وفاتحة الكتاب تفسير الشيخ محمد عبده /181، ومباحث في علوم القرآن /146.

(2) سورة الضحى /1 - 3.

(3) إعراب القرآن للنحاس 5/ 249، والكشاف 4/ 263.

(4) التفسير البياني 1/ 29.

(5) نفسه 1/ 20.

(6) مشكل إعراب القرآن 2/ 824، ومجمع البيان 10/ 505، والجامع لأحكام القرآن 20/ 92.

(7) الإنشاء غير الطلبي في القرآن الكريم /158.

(8) الكشاف 4/ 263، وينظر معترك الأقران 2/ 475.

(9) معترك الأقران 2/ 475.

(10) في ظلال القرآن 6/ 3925.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت