وكثرة خيراته النامية الباقية عليكم. وهذا يحتمل أن يكون إخبارًا عن ثبوت ذلك لهم وتذكيرًا بنعمة الله وبركاته عليهم ويحتمل أن يكون دعاءً لهم بالرحمة والبركة )) [1] . ... ومثله قوله تعالى مخبرًا عن الحوار الذي دار بين الملائكة ومريم عليها السلام: {إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنْ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [2] . فقد تلقفت مريم عليها السلام هذه البشارة بتعجب واستعظام [3] ؛ لأنها خلاف المألوف والمعتاد في تكوِّن الولد. وقد سبق تعجبها نداء منها حذف منه حرف النداء فقالت: (ربِّ) . وهو نداء يراد به مناجاة الرب سبحانه، إذ إنها ناجته سبحانه كيف يكشف السر في ذلك التكوين لذلك الولد.
وقيل إن قولها (ربِّ) (( نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي ) ) [4] .
والأول هو الوجه؛ لأنها لعظم ما سمعت التجأت إلى من لا ملجأ غيره في عظائم الأمور، وإزالة الوسائط بينها وبين ربها سبحانه مبالغة في الالتجاء والتضرع إليه سبحانه، فخاطبته مباشرة.
ومريم عليها السلام اعتمدت في جوابها أسلوب الكناية؛ إذ جعلت المس كناية عن النكاح الحلال [5] وفي الكناية تصوير للمعنى وسمو لائق بأدب القرآن الكريم، إذ كنى عما لا يستحب التصريح به [6] .
وقد (( جاءها الجواب يردها إلى الحقيقة البسيطة التي يغفل عنها؛ لطول إلفتهم للأسباب الظاهرية لعلمهم القليل، ومألوفهم المحدود ) ) [7] .
{قَالَ كَذَالِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [8] ، مصدرًا بالقول بصيغة المضي، ثم بالإشارة بالبعيد لتحقيق الأمر وتثبيته [9] ، وبتقديم لفظ الجلالة على الفعل المستمر {يَخْلُقُ} الدال على تأكيد ذلك الخلق للولد في مريم عليها السلام،
(1) (*) التعجب يعني (( إنكار ما يرد عليك لقلة اعتياده ) )اللسان 1/ 580 (عجب) أو هو (( معنى يحصل لدى المتعجب عند مشاهدة ما يجهل سببه ويقل في العادة وجود مثله وذلك المعنى كالدهش والحيرة ) )شرح المفصل 7/ 142.
مجمع البيان 5/ 180.
(2) سورة آل عمران /45 - 47.
(3) مجمع البيان 2/ 443.
(4) الكشاف 1/ 431.
(5) التفسير الكبير 21/ 200. وأسلوب الدعوة القرآنية بلاغة ومنهاجا / 296.
(6) أسلوب الدعوة القرآنية / 296.
(7) البرهان لعلوم القرآن 1/ 277.
(8) سورة آل عمران / 47.
(9) من بلاغة القرآن / 215.