أو خبرًا، من غير رفع وإبطال، ولهذا قالوا: إذا قيل في جواب قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} : نَعَمْ، يكون كفرًا )) [1] ؛ لأنه جحدٌ والجواب يقتضي هنا الإيجاب فلا يكون إلاّ بـ (بَلَى) .
وذكر المرادي [2] (ت 749 هـ) وغيره أنها من أحرف الجواب، وأنّ فيها ثلاث لغات بفتح العين وبكسرها وبإبدال العين حاء. وهي إمّا (( لتصديق مخبر، أو إعلام مستخبر، أو وعد طالب. فالأول كقولك: نَعَمْ، لمَنْ قال: قامَ زيدٌ. والثاني، كقولك: نَعَمْ. لمن قال: هل جاءَ زيدٌ؟ والثالث، كقولك: نَعَمْ. لمَن قال: اضْرِبْ زيدًا؟ أي: نَعَمْ، اضرِبُهُ. والنفي كالموجب، والسؤال عن النفي كالنفي، ففي الموجب والسؤال عنه تصديق الثبوت، وفي النفي والسؤال عنه تصديق النفي ) ) [3] . فهي - إذن - ترد جوابًا، إما في سياق خبر، كالمثال الأول أو في سياق إنشاء بأسلوب الاستفهام كالثاني والثالث.
وبذلك زاد النحاة على ما قاله سيبويه في معنى (نَعَمْ) ؛ حين جعلوا لها معاني أخرى غير التصديق والوعد: كالإعلام والتقرير، والتذكير [4] ، والتوكيد [5] ، والمعنيان الأخيران لا يردان إلا عند وقوعها في صدر الكلام، وقد مثَّلُوا لهما بقولهم: (( نعم هذه أطلالهم ) ) [6] . وهي معان ثوانٍ لها، خرجت مخرج التوسع في التعبير والمجاز.
ولم ترد (نَعَمْ) في التعبيرات الجوابية للقرآن الكريم صدرًا لكلام غير مسبوقة بكلام تكون جوابًا له. وقد وردت جوابًا في أربعة سياقات: اثنان منها في سورة الأعراف [7] ، وواحد في الشعراء [8] ، والرابع في الصافات [9] .
وممّا قيل في (نَعَمْ) : إنه يأتي إعلامًا للمستخبر، إذا سبقه استفهام على نحو ما مثّل النحاة. فالمعنى الذي يفيده حرف الجواب في التعبيرات الجوابية - عندهم - في القرآن الكريم هو إعلام المستخبر.
وفيما ذكروه نظر، لأن الاستفهام قد لا يرد على حقيقته، كما في الاستفهام الذي في قوله تعالى في سورة الأعراف {فَهَلْ وَجَدْتُم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [10] فأهل الجنة عارفون
(1) التعريفات للشريف الجرجاني 132. والآية /172 من سورة الأعراف.
(2) الجنى الداني /469، ومغني اللبيب لابن هشام 2/ 245.
(3) الجنى الداني /469. وينظر المطالع السعيدة 2/ 131، والإتقان للسيوطي 1/ 178.
(4) الجنى الداني /469.
(5) مغني اللبيب 2/ 345.
(6) الجنى الداني /469.
(7) سورة الأعراف /44، 114.
(8) سورة الشعراء /42.
(9) سورة الصافات /18.
(10) سورة الأعراف /44.