بما يؤول إليه حال الكفار، وسؤالهم ورد توبيخًا لهم، لا على جهة الإفهام والإعلام؛ لأنّ (( الكفار كانوا يكذِّبون المؤمنين فيما يدَّعُونَهُ لأنفسهم من الثواب، ولهم من العقاب، فهو سؤال توبيخ وشماتة يريد بِهِ سرور أهل الجنة وحسرة أهل النار ) ) [1] .
وكذا الحال في الاستفهام التعجبي في سورة الصافات [2] .
وهذه مسألة تُوقِفُ عند مسألة أخرى هي المعاني الأصلية، والمعاني المجازية، التي سميت الدلالات الثانوية أو معنى المعنى أو المعاني الثواني [3] .
فقد التفتوا إلى أن الأدوات قد يراد بها غير معانيها الأصلية في اللغة والاستعمال حين تنتقل إلى معان أخرى، هي التي صارت لدى أهل العلم من أصحاب المعاني والمفسرين والبلاغيين، معاني مجازية. فقد ذكر أبو عبيدة (ت210هـ) [4] أن الهمزة المراد بها غير ظاهرها (( إنما خرجت مخرج الاستفهام، تقريرًا بغير الاستفهام ) ). وقال عنها في موضع آخر: في قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} [5] (( مجاز الألف - يقصد الهمزة - هاهنا، مجاز التقرير وليس باستفهام ) ) [6] ، أي ليس باستفهام حقيقي، بل هو مجازي. ومثل ذلك وجد عند عدد [7] من النحاة. وقد ذهب بعضهم إلى أن (( هذا النوع لا يتطلب جوابًا ) ) [8] وهو واهم فيه؛ إذ المعاني الأصلية كثيرًا ما تبقى لها آثار واضحة مع خروجها إلى دلالات جديدة مكتسبة تعرف من خلال السياق الذي ترد فيه - وتُلحَظ هذه الآثار من خلال الجوابات التي ترد لها. وقد تحذف الجوابات أحيانًا، ولكن يبقى عليها في السياقات دليل. فليس كل استفهام خرج عن معناه الحقيقي لا يتطلب جوابًا.
وحجّة ابن هشام [9] أن (نَعَمْ) ، إذا جاءت بعد الاستفهام تكون للإعلام لا للتصديق؛ لأنه (( لا يصح أن تقول لقائل ذلك: صدقتَ؛ لأنه إنشاء لا خبر ) ).
(1) مجمع البيان 4/ 422.
(2) قولهُ تعالى: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ} الآية 16 - 18.
(3) دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني /258 - 259. والمعاني الثانية في الاسلوب القرآني فحتي أحمد عامر.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة1/ 63.
(5) سورة فاطر /37.
(6) مجاز القرآن 2/ 156.
(7) الكتاب لسيبويه 1/ 99، 2/ 307، والمقتضب للمبرد1/ 43 - 44، 3/ 289 - 292، ومغني اللبيب 1/ 17 - 18، ومدرسة الكوفة مهدي المخزومي /323.
(8) من إعجاز البيان في القرآن الاستفهام للفيومي/260.
(9) مغني اللبيب 2/ 346.