فقد صدّر الجواب بالتلقين. فالجواب يقصر العلم على الله سبحانه وتفرده به. فتوكيد [1] الذات النبوية بالقصر بـ (إنما) أيضا رد على المشككين.
ونحوه ما ورد في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مِّنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ} [2] .
فقد ورد الجواب سريعا، إذ الفاء في (فقل) أفادت التعقيب من غير مهلة، أي إنه سبحانه أمره بالإجابة عن قولهم والرد عليهم بسرعة من غير بطء أو تمهل في الجواب. ثم وقع الجواب بالقصر بـ (إنما) . وعطف على الجواب تعبير فيه تهديد ووعيد، فهو (( جواب في طيه الإمهال وفي طيه التهديد، وفي طيه بعد ذلك بيان حدود العبودية في جانب الألوهية ) ) [3] .
وقد يرد الجواب النبوي مصدّرا بالتلقين ثم بتعبير منفي مقرون بالاستثناء، على سبيل القصر، على نحو ما نجده في قوله تعالى: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [4] .
إن ابرز ما يلحظ في حوار الأنبياء والرسل لذويهم وأقوامهم الإطالة في محاورتهم؛ إذ تتناوب الأطراف المتحاورة في التعابير الجوابية، إلاّ في حوار الرسول محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، فإن أسلوب محاورته لم يتسم بهذا التناوب غالبًا.
ويلحظ أيضًا هنا أن سمة التقرب والتودد والتلطف واضحة في حوار الأنبياء والرسل. فضلا عن سمة التكرار في النداء بـ {يَاقَوْمِ} ، وهو نداء تتبعه دعوة إلى التوحيد، وترك ما يخالف أوامر الله سبحانه، وذلك بأسلوب يلمح فيه النصح والإرشاد. غير أن ذلك كله يُقابَل بحوار من أقوامهم فيه ما فيه من التبجح واللجاج، والتهكم والسخرية، والتكذيب. غير أن التودد من لدن الأنبياء والرسل لا ينقطع عنهم؛ وذلك بغية أن ينقادوا إلى طريق الحق، ويتركوا طريق الباطل.
على أنهم حين لا يجدون جدوى في ذلك كله، يختمون حوارهم في الغالب بأسلوب فيه تهديد وتحذير من مغبة العقاب، في ذلك اليوم الذي لا مناص منه، ولا خلاص فيه.
(1) جدلية القرآن / 119.
(2) سورة يونس /20.
(3) في ظلال القرآن 3/ 1772.
(4) سورة الأعراف / 188.