وهذا التهديد والتحذير قد يرد مباشرًا بأسلوب صريح، كالذي في قوله تعالى على لسان شعيب عليه السلام: {أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [1] ، وقوله تعالى: {وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [2] ، وقوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} [3] ، وقوله تعالى {إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [4] ، وما إليها من الآي.
وقد يرد التهديد والتخويف بأسلوب غير مباشر، كالذي في قوله تعالى على لسان النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [5] بنسبة الخوف إلى نفسه صلّى الله عليه وآله وسلم، والمراد به عمومه، ليشمل هؤلاء كذلك. وعلى ذلك فالحوار الذي دار بين الأنبياء والمرسلين، وبين أقوامهم يدور في (( أربع وحدات وظيفية، هي الدعوة والتحذير والتكذيب والعقاب ) ) [6] .
وإن حوارهم عليهم السلام لأقوامهم قد اعتمد أسلوب التكرار في المواضع التي من شأنها تثبيت الحجة في نفوس المحاورين وترسيخ الغرض المنشود من الدعوة، وهو توحيد الله سبحانه، وما يترتب عليه من سلوك سليم يتسم بالعمل الصالح. ذلك أن من أهداف النص القرآني تغيير الواقع غير السليم عن طريق الحوار والجدال.
(4) حوارات أخرى:
وهي حوارات منوعة دارت بين رتب دون رتب الملائكة أو الأنبياء والرسل، فمن هذا النوع ما ورد في قوله تعالى مصورًا ما دار من حوار بين ملكة سبأ وملئها، وهم من حولها من خاصتها وذوي المشورة عليها، بعد أن القي إليها كتاب سليمان عليه السلام؛ إذ {قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلؤأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَالِكَ يَفْعَلُونَ} [7] .
(1) سورة هود /89.
(2) سورة هود /93.
(3) سورة فصلت/ 6.
(4) سورة العنكبوت/ 50، وسورة الملك /25.
(5) سورة يونس /15.
(6) البناء الفني في القصص القرآني / ص43.
(7) سورة النمل / 32 - 34.