فقد طلبت إليهم المشورة التي عبّرت عنها بالفتيا، وهي (( الحكم بما فيه صواب بدلا من الخطأ ) ) [1] ، بما في ذلك من (( حل لما أشكل من الأمر عليها ) ) [2] .
أدلى القوم برأيهم فأجابوها معتدِّين بقوتهم وبأسهم قائلين: {نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} ، وهو (( جواب بأسلوب المحاورة فلذلك فصل ولم يعطف كما هي طريقة المحاورات ) ) [3] .
وقد صرحوا في جوابهم هذا أنهم {أُوْلُوا قُوَّةٍ} ، ولفظ {أُوْلُوا} هو (( اسم للجمع والواحد ذو ) ) [4] ، أي إنهم أصحاب قوة وشجاعة، وشدة في الحرب. ففي (( هذا الجواب تصريح بانهم مستعدون للحرب للدفاع عن ملكهم، وتعريض بانهم يميلون إلى الدفع بالقوة ) ) [5] حينما يكرههم النبي سليمان عليه السلام على الدخول تحت طاعته.
فهذا التعبير جواب المشورة التي طلبتها من خاصتها، غير أنهم تركوا لها الرأي الأخير، وفوضوا الأمر في ذلك إليها بقولهم: {فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} ، أي تأمريننا به، فحذف المفعول ومتعلق الفعل [6] لدلالة السياق عليهما.
وقد تناوبت التعابير الجوابية بينها وبين قومها، إذ قالت مجيبة لهم على سبيل التعريض [7] والتحذير من مغبة الحرب: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَالِكَ يَفْعَلُونَ} .
فيلحظ أن جوابها المصدر بالقول ورد بأسلوب الخبر المؤكد (( بحرف التأكيد، للاهتمام بالخبر وتحقيقه. فقولها {إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} ، استدلال بشواهد التاريخ الماضي، ولهذا تكون(إِذَا) ظرفا للماضي بقرينة المقام ... وجملة {وَكَذَالِكَ يَفْعَلُونَ} استدلال على المستقبل بحكم الماضي على طريقة الاستصحاب، وهو كالنتيجة )) [8] لإخبارها المؤكد. أو بعبارة أخرى: إنها استدلت بأحداث الماضي وتجاربه، على ما سيقع ويكون في المستقبل. وهي جملة مؤكدة وردت بأسلوب التذييل [9] .
ويلحظ في هذا الحوار تفاوت في الرتب من جهة الرئيس والمرؤوس وفيه تناوب في الجواب، فقد سألت وأجاب الملأ عن سؤالها بالتصريح وبالتعريض، ثم سُئِلَت هي فأجابت
(1) مجمع البيان 7/ 220.
(2) روائع الإعجاز في القصص القرآني / 236.
(3) التحرير والتنوير 19/ 264.
(4) إعراب القرآن للنحاس 3/ 210.
(5) التحرير والتنوير 19/ 264 - 265.
(6) نفسه 19/ 265.
(7) مجمع البيان 7/ 220.
(8) التحرير والتنوير 19/ 266.
(9) التبيان في البيان / 307 - 308.