الصفحة 224 من 342

بالتعريض على سبيل الخبر المؤكد تحقيقًا واهتمامًا. مع تضمن جوابها التعريضي لظاهرة لغوية هي التقابل الدلالي بالضد والنقيض، في لفظتي: (أعزة) و (أذلة) ولا يؤتى بالتقابل إلا لغرض. قد يراد به هنا ترسيخ ما عرَّضت به من ترك القتال، بعرض النتيجة التي قد تؤول إليها الحرب، وهي جعل من كان عزيزا ذليلا، وذلك حين تنتهي بالانكسار لا بالانتصار. وذكر ابن قتيبة [1] في باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه أن (( منه أن يتصل الكلام بما قبله حتى يكون كأنه قول واحد وهو قولان ) )وساق لذلك أمثلة منها قوله تعالى في جواب ملكة سبأ فقولها ينتهي عند كلمة (أذلة) ، أما {وَكَذَالِكَ يَفْعَلُونَ} فهو من كلام الله تعالى لا من جوابها. أي إن السياق الوارد بعد جوابها أكَّد ما قالته لقومها.

ونحو هذا حوار ابني آدم عليه السلام: هابيل وقابيل، فقد قال تعالى مخبرًا عن قصتهما: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [2] .

فكلام هابيل المصدّر بالقول، ثم بأداة الحصر (إنما) ، قد وقع جوابا لتهديد أخيه ووعيد بالقتل وهو: {لأَقْتُلَنَّكَ} الذي أكده بالقسم، أي والله لأقتلنك [3] ، والنون المشددة منبئى عن الإصرار [4] والتصميم عليه. فأجاب هابيل بأسلوب القصر بـ (إنما) التي (( تأتي إثباتًا لما يذكر بعدها ونفيًا لما سواه ) ) [5] ، أو للإخبار عن أمر لا يجهله المخاطب، ولا يدفع صحته. فيلمح فيها عندئذ دلالات التنبيه والتذكير [6] ، والمبالغة في إثبات الأمر المخبر عنه.

وقد ورد جواب هابيل على سبيل الكناية [7] والتعريض [8] بأخيه بقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ} ، فكأنه يقول له: لو كنت متقيًا لقبل منك. والمراد بذلك: يتقبل القربان على حذف المفعول [9] .

(1) تأويل مشكل القرآن / 226 - 227.

(2) سورة المائدة / 27 - 29.

(3) روح المعاني 6/ 112.

(4) في ظلال القرآن 2/ 876.

(5) دلائل الإعجاز / 312.

(6) نفسه /313 - 314.

(7) مسائل الرازي وأجوبتها / 69.

(8) في ظلال القرآن 2/ 876.

(9) روح المعاني 6/ 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت